مجالستهم لا يسمع فيها غالبا إلا مدح الدنيا ، وكثرة فوائدها والتمكن من الجاه والمال فيها ، وسائر الأعراض والنفس مائلة إلى كل لذيذ ، فيتغرس في القلب محبتها ، والمراد أنّهم موتى القلوب بمحبة الدنيا حتى اشتغلت عن أعمال الآخرة كما قال تعالى :
أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ
) [ النحل : 21 ] وقال :
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ
[ الأنعام : 122 ] الآية ( وقيل للربيع ابن خيثم : قد غلا السعر ) فنخشى الجوع ( فقال : نحن أهون على اللّه من أن يجيعنا ) فإنّه ( إنما يجيع أولياءه ) فيه دلالة على أنّه عرف حقارة الدنيا وأنّها لا قدر لها عند اللّه ، وقد زواها عن أنبيائه وأوليائه .
( وقال إبراهيم بن أدهم : طلبنا الفقر فاستقبلنا الغنى ) لأنّ من زهد في الدنيا وتفرغ للطاعات اكتفى منها بأقل القليل ، وهو القدر المحتاج إليه منها في الحقيقة لأنّ المحتاج إليه منها ما كان عونا على أعمال الآخرة .
( وطلب الناس الغنى فاستقبلهم الفقر ) لأنّ العبد كلما نال من الدنيا شيئا ورأى رفعة درجته به فيها على غيره طلب الازدياد منها فصار بذلك فقير النفس إلى الازدياد من المال والجاه . ( سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أحمد بن علي يقول :
سمعت الحسن بن علوية يقول : قيل : ليحيى بن معاذ : الفقر ) أي المذموم ؟ ( قال : )
شرح
( قوله : فينغرس في القلب الخ ) أي وذلك رأس كل خطيئة . ( قوله : والمراد أنّهم موتى القلوب ) أي بسبب عموم الغفلة التي هي كنعت الموت بل أضر .
( قوله : وقيل للربيع الخ ) فيه دلالة على أنّه العارف باللّه الغني به عمن سواه فيا فقيه الاسم دون المسمى الغلط أوجب تشابك الإسما لو عرفت معنى الفقه والفقيه كنت الحاذق النبيه الفقيه من فقه عن مولاه وفني به عمن سواه ، فإن كنت بهذا الوصف كنت الفقير صدقا والفقيه عند اللّه حقا .
( قوله : أهون على اللّه الخ ) أي وذلك لأنّ الابتلاء بنحو الجوع من نعت الأحباب والمقربين . ( قوله : فاستقبلنا الغنى ) أي من طريق قناعة النفس والرضا بما يسد الرمق ويعين على الطاعة . ( قوله : فاستقبلهم الفقر ) أي فقر القلب وهو أشد أنواع الفقر لأنّ الإنسان يصير مع هذا الخلق لو أعطي الدنيا بحذافيرها ما زاده ذلك إلا نهامة وتهافتا وحرصا على تحصيل زائد عما حصل له .
( قوله : لأنّ العبد الخ ) أي ويشهد له خبر « منهومان لا يشبعان أبدا طالب علم وطالب دنيا » . ( قوله : قال : هو خوف الفقر ) أي لما يترتب عليه من الشك في الرزق ، والتهافت على تحصيل الدنيا ، ولو بدون وجه حل ، وغير ذلك من المفاسد الدينية .