قال له أغنياء قريش وعظماؤهم : أبعد عنا هؤلاء الفقراء فإنا نتأذى بروائحهم كبلال ، وعمار ، وصهيب اجعل لنا يوما ولهم يوما فهم بذلك فأنزل اللّه تعالى ذلك ردا عليهم ، وأمره أنّهم إذا أتوه فليسلم عليهم فقال تعالى :
وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا
[ الأنعام : 54 ] فكان صلى اللّه عليه وسلم يقول لهم إذا أتوه « مرحبا بمن عاتبني فيهم ربي ويدنيهم إليه » « 1 » . ( وروي عن أبي الدرداء رضي اللّه عنه أنّه قال : لأن أقع من فوق قصر فأتحطم أحب إليّ من مجالسة الغني لأني سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول :
« إياكم ومجالسة الموتى قيل : يا رسول اللّه ومن الموتى ؟ قال الأغنياء » ) ولأنّ
شرح
بل الضرر فيه محقق ، والعياذ باللّه تعالى . ( قوله : فهم بذلك ) أي تأليفا للأغنياء عسى أنّهم ينقادون له صلى اللّه عليه وسلم . ( قوله : وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا ) هم الذين نهى عن طردهم وصفوا بالإيمان بآيات اللّه تعالى كما وصفوا بالمداومة على عبادته تعالى بالإخلاص تنبيها على إحرازهم لفضيلتي العلم والعمل ، وتأخير هذا الوصف مع تقدمه على الوصف الأوّل لأنّ مدار الوعد بالرحمة والمغفرة هو الإيمان كما أنّ مناط النهي عن الطرد فيما سبق هو المداومة على العبادة ، وقوله : تعالى :فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ[ القصص : 55 ] أمر بتبشيرهم بالسلامة عن كل مكروه بعد إنذار مقابلهم ، وقيل : بتبليغ سلامه تعالى إليهم ، وقيل : بأن يبدأهم بالسلام ، وقوله تعالى :كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ[ الأنعام : 54 ] أي قضاها وأوجبها على ذاته المقدسة بطريق التفضل والإحسان بالذات لا يتوسط شيء مّا أصلا أثر تبشيرهم بالسلامة من المكاره ، وقبول التوبة منهم ، وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم إظهار اللطف بهم ، والإشعار بعلة الحكم ، وقيل : إنّ قوما جاؤوا إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقالوا : إنّا أصبنا ذنوبا عظاما فلم يرد عليهم شيئا فانصرفوا فنزلت .
( قوله : « لأن أقع » الخ ) سببه أنّ الوقوع إنما يخشى منه الضرر الدنيويّ بخلاف مجالسة الأغنياء ، فإنّ الضرر الذي يخشى منه ديني لأنّ الغنى غالبا يوقع في الكبر ، ويخيل لمن قام به غير حقيقة الأمر ، وذلك وصف الأعداء المبعدين ، والفقر سمة الأحباب ، وحلية العبد الأواب من لبس أسماله كان ذلك أسمى له ، في وجوه أهله القبول ولهم منه تعالى إجابة السول شعر :خليليّ قطاع الفيافي إلى العلا * كثير وإنّ الواصلين قليل
وجوه عليها للقبول علامة * وليس على كل الوجوه قبول( قوله : إياكم ومجالسة الموتى ) إنما جعلوا من قبيل الموتى لعدم الفائدة في كل بل الضرر من مثلهم أقرب شيء .
هامش
( 1 ) أخرجه القرطبي في ( التفسير 19 / 213 ) .