وقربه ، ومن عمل لثوابه في جنته وإن كان لا بدّ من الثواب . ( سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق رحمه اللّه يقول : قام فقير في مجلس يطلب شيئا ) من الدنيا ( وقال ) على رؤوس الأشهاد : ( إني جائع منذ ثلاثة ) من الأيام ( وكان هناك بعض المشايخ فصاح عليه وقال ) له تأديبا ( كذبت ) في فقرك ( إنّ الفقر ) لكونه درجة عالية ( سر ) من أسراره تعالى ( وهو لا يضع سره ) إلا عند من افتقر إليه لا إلى غيره فلا يضعه ( عند من يحمله إلى من يريد ) من الإرادة وقرأه بعضهم يزد من الزيادة قال : أي من يزيد في النداء بما ناديت به . ( سمعت محمد بن الحسين رحمه اللّه يقول : سمعت محمد الفراء يقول : سمعت زكريا النخشبيّ يقول : سمعت حمدون القصار يقول : إذا اجتمع إبليس وجنوده لم يفرحوا بشيء كفرحهم بثلاثة أشياء رجل مؤمن قتل مؤمنا ، ورجل يموت على الكفر وقلب فيه خوف الفقر ) إلى اللّه تعالى ، فقرن خوف الفقر بكبيرتين :
قتل المؤمن والموت على الكفر ، لأنّ العبد إذا خاف الفقر اكتسب المال المحرم غالبا ، وربما قتل عليه من يجده معه ، وربما كفر لنيله إذا احتاج إليه ، فخوف الفقر آفة عظيمة ، وهذا الفقر الذي اختاره النبي صلى اللّه عليه وسلم وسأل فيه لنفسه وآله ، وأما الذي استعاذ به فهو الفقر لغير اللّه ، وهو المنسي للاشتغال باللّه ، وسيأتي إيضاحه ، ( وسمعته ) أيضا ( يقول : سمعت عبد اللّه بن عطاء يقول : سمعت أبا جعفر الفرغانيّ يقول : سمعت الجنيد يقول : يا معشر الفقراء إنكم تعرفون باللّه ، وتكرمون للّه ) فأنتم
شرح
( قوله : ومن عمل لثوابه الخ ) أي فإنّه يصير للثواب محبا متعلق القلب به ، وكل من تعلق قلبه بشيء كان عبد ذلك الشيء . ( قوله : وإن كان لا بدّ من الثواب ) أي لكل عامل غير أنّ الفرق القصد وعدمه . ( قوله : قام فقير في مجلس يطلب شيئا الخ ) أي ومن ذلك ما يحكى أنّه دخل رجل من العارفين على إنسان وهو يبكي فقال له : ما شأنك قال : مات أستاذي فقال ذلك العارف : ولم جعلت من يموت أستاذك ؟ ويقال لك : إذا اعتززت بغير اللّه فقدته أو استندت إلى غيره عدمته ،وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً إِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً[ طه : 97 ، 98 ] . ( قوله : تأديبا الخ ) أشار بقوله : تأديبا إلى أن الإيذاء بقصد التأديب جائز ، وهو كذلك .
( قوله : إلا عند من افتقر إليه ) أي وهو لا يفعل ذلك كما فعلت أنت . ( قوله :
كفرحهم بثلاثة أشياء ) أي وذلك لعظم إثمها وجرمها . ( قوله : لأنّ العبد إذا خاف الفقر الخ ) أي مع ما فيه من الشك فيما ضمن له الحق تعالى .
( قوله : وهذا الفقر الذي الخ ) الإشارة راجعة إلى الفقر إلى اللّه تعالى ، ولكن لا