تحقق العبد ) أي تمكن ( فيه ) بخلافه قبل تمكنه ، فمتى قنع العبد بما رزقه اللّه من الدنيا وقلّ تشوقه لها تعود الرضا بما وقع ووافق طبعه ، وإذا تعود الرضا بذلك وتمكن فيه انتقل منه إلى الرضا بكل ما يرد عليه ، وإن خالف طبعه .
( وقدم على الأستاذ أبي عليّ الدقاق رحمه اللّه فقير في سنة خمس أو أربع وتسعين وثلاثمائة من زوزن وعليه مسح ) بكسر الميم أي لباس ( وقلنسوة مسح ) بالإضافة أي قلنسوة من مسح ( فقال له بعض أصحابنا بكم اشتريت هذا المسح على وجه المطايبة ) والمداعبة معه ففهم منه أنّه سأل عن حاله الذي هو عليه ليكون اللباس الصحيح هو لباس التقوى كما قال تعالى :
وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ
[ الأعراف : 26 ] ( فقال ) له : ( اشتريته بالدنيا ) أي بإعراضي عنها ( فطلب مني ) بيعه ( بالآخرة ) وأسكن إليها ( فلم أبعه بها ) لأنّ حالي هذا هو شغلي باللّه لا بغيره ، وسكوني إليه لا إلى غيره ، فلو ملت إلى حظ آخر لكنت بعت حظا بحظ ، وكل منهما حادث ، وحظي الذي أنا مشغول به هو الذي لم يزل ولا يتغير ، وهذا فقر العارفين ، ومن عداهم من الفقراء قد يتمسك بالفقر ليكون من السابقين إلى الجنة كما صحت به الأخبار ، وإنّ الكل في الجنة وإنما اختلفوا في البواعث على الأعمال ، ففرق بين من عمل لوجهه
شرح
يلائمها من الأحكام ، فإن وجدها صابرة رضاية فذاك ، وإلا فليقم عليها حتى ترضى .
( قوله : وقل تشوفه لها ) أي إعراضا عما يفنى للشغل بما يبقى ، ولذلك الإشارة بقول صاحب الحكم : إن أردت أن يكون لك عز لا يفنى فلا تستعزن بعز يفنى ، قلت :
وكل عز دنيوي فان لأنّه إنما يكون بأسبابها ، وهي فانية ، كذلك قال في التنوير : فإن اعتززت باللّه دام عزك ، وإن اعتززت بغير اللّه فلا بقاء لعزك إذ لا بقاء لما أنت به متعزز فتدبر .
( قوله : فقال : اشتريته بالدنيا ) أي فهو لما علم من غرتها في الباطن لم يلتفت إلى زخرفتها في الظاهر ، فمن نظر إلى الدنيا سرته فإن اشتغل بها صرفته ، فإن اطمأن إليها صرعته ، وإن أعرض عنها فاتحته ، ومن نظر إلى باطنها غمته ، فالكيس ينبسط بإدبارها أكثر من إقبالها ، ويحترز في إقبالها أشد من إدبارها أليست بدار فناء وزوال ، ومحل نقص وارتحال غير أنّ العبد مبتلى بنفسه معلق بأسباب معاشه ورياشه ، فوجب أن يتناول على قدر حاجته ، والنظر إلى ما وراء ذلك ، فهو من خبث النفس .
( قوله : فقال : اشتريته بالدنيا ) لعله صدر هذا منه لغرض صحيح كالتحدث بنعمة اللّه أو لتربية المريدين ممن تبعه ، وحينئذ فلا يقال : إنّ فيه إفشاء السر ، أو التحدث بما لم ينل ، وكل منهما ممنوع منه .