القيامة » ) « 1 » في هذا وما تقدم دلالة على شرف الفقراء ومحبة اللّه لهم ، ومن أحب من أحبه اللّه كان شريكا له في محبة اللّه له ، وبهذا الاعتبار كان حب المساكين مفتاح الجنة لأنّهم فيها ، وحبهم سبب لدخولها معهم ، وكان الفقراء جلساء اللّه يوم القيامة ، ( وقيل : إنّ رجلا أتى إبراهيم بن أدهم بعشرة آلاف درهم ) ليعتان بها ( فأبى أن يقبلها منه ، وقال له : تريد أن تمحو اسمي من ديوان الفقراء بعشرة آلاف درهم لا أفعل ) ذلك ، فيه دلالة على شدة حب الفقر عندهم ، وأنّهم يعضون عليه بالنواجذ ، كيف لا وهو حال النبي صلى اللّه عليه وسلم الذي كان يختاره لنفسه ، ويدعو به لأهله ، ويصف بالفلاح من اتصف به ، ففي الخبر « اللهمّ اجعل رزق آل محمد قوتا » « 2 » وروي كفافا ، وفيه أيضا قد أفلح من أسلم ، وكان قوته كفافا وقنعه اللّه ، ( وقال معاذ النسفيّ : ما أهلك اللّه تعالى قوما وإن عملوا ما عملوا حتى أهانوا الفقراء وأذلوهم ) كما قالوا لنوح عليه السلام :
قالُوا أَ نُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ
[ الشعراء : 111 ] ، وفي قصة صالح عليه السلام
قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَ تَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ
[ الأعراف : 75 ] وما قاساه بلال وصهيب وعمار في أوائل الإسلام معلوم .
( وقيل : لو لم يكن للفقير إلى اللّه فضيلة غير إرادته وتمنيه سعة أرزاق المسلمين ، ورخص أسعارهم ) للأشياء التي يحتاج إلى شرائها ( لكفاه ذلك ) أي ما ذكر من إرادته وتمنيه ( لأنّه يحتاج إلى شرائها ) بأيسر الأثمان فيريد ذلك ويتمناه ( والغني يحتاج إلى بيعها ) وشتان بين من يتمنى الرخاء للمسلمين لفقره وإن كان ذلك
شرح
من إيهام التنقيص . ( قوله : اللهم اجعل رزق آل محمد الخ ) أي وهم مؤمنو بني هاشم وبني المطلب في باب الزكاة ، وكل مؤمن تقيّ في باب الدعاء وقيل : كل مؤمن ولو عاصيا وهو أولى ، وكل تقي في مقام الثناء غير أنّ المراد هنا الأول .
( قوله : حتى أهانوا الفقراء الخ ) أي فتحتم هلاكهم إنما كان بسبب إهانتهم الفقراء ، وإذلالهم إياهم . ( قوله : وقيل : لو لم يكن للفقير الخ ) شروع فيما يفضل به الفقير الغني فاعرفه .
( قوله : والغني يحتاج إلى بيعها ) أي فهو متعلق بأذيال الهوى والشيطان ، ومقتد بأهل الخذلان والحرمان ، فمن تعلق بأذيال الملعون الشقي متى يسعد ، والمقتدي بالضال
هامش
( 1 ) أخرجه الهيثمي في ( مجمع الزوائد 10 / 82 ) والزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 9 / 283 ) والمتقي الهندي في ( كنز العمال 16587 ) والسيوطي في ( اللآلىء المصنوعة 2 / 174 ) .
( 2 ) أخرجه البخاري ( رقاق 17 ) ومسلم ( زهد 18 ، 19 ) والترمذي ( زهد 38 ) وابن ماجة ( زهد 9 ) .