المسكين ليس بالطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان ، والتمرة والتمرتان » « 1 » قال فقيل : من المسكين يا رسول اللّه ؟ قال : ) « هو ( الذي لا يجد ما يغنيه ويستحي أن يسأل الناس ، ولا يفطن له فيتصدّق عليه » قال الأستاذ ) الإمام القشيري رحمه اللّه :
( معنى قوله : يستحي أن يسأل الناس أي يستحي من اللّه تعالى أن يسأل الناس لا أنّه يستحي من الناس ) أن يسأل الناس ، ولبقاء الكلام على ظاهره أيضا وجه
شرح
( قوله : ليس بالطواف ) أي لا يعتبر في معنى مسكنته طوافه على الناس ليسألهم شيئا مما بأيديهم فترده اللقمة الخ . ( قوله : قال : هو الذي لا يجد ما يغنيه ) أي ما يقوم بكفايته ، ويستحي من ربه بسبب قوّة يقينه بوعد الحق أن يسأل الناس . ( قوله : ولا يفطن له الخ ) أي وعدم الالتفات إليه بواسطة إظهاره الغنى في حالة الفقر ، وذلك أفضل من ذات الفقر لأنّه قد ستر فقره ، وأظهر عفافه تشرفا وتكرما وقطعا لطعمه ، أو كان من الأقوياء ، ولكن أظهر فقره اختيارا ليتبرك به ويقتدى به .
( قوله : ولبقاء الكلام الخ ) أقول : هو وإن كان كذلك غير أنّ حمل كلام النبوة على الوجه الأوّل أولى كما لا يخفى إذ هو الأكمل . ( قوله : والفقر شعار الأولياء ) أقول : ذكر بعضهم فصلا جامعا لبعض آداب السلوك ، وبعض الآثار عن السلف رضي اللّه عنهم ، وهو أنّه لا بدّ للفقير من الخلوة لأنّه بسببها يدرك ما هو فيه من الخطر ، ومن النعم ومن تحف المولى سبحانه ، ويتبين له بها أشياء كثيرة مما مضى عليه السلف ألا ترى إلى بركة هذه الحكم التي تصدر على ألسنتهم مما ليس لهم قوّة على إصدارها ، وذلك ببركة توجهاتهم وإقبال المولى سبحانه عليهم ، وأعظم أسباب ذلك الخلوة ، فانظر رحمني اللّه وإياك إلى ما نقله الإمام الحافظ إسماعيل بن محمد بن الفضل الأصبهاني رحمه اللّه في كتاب سير السلف له عن أبي حازم رحمه اللّه أنّه قال : قد رضيت من أحدكم أنّ يتقي لدينه كما يتقي لفعله ، وقال شيبان : أمران هما خيرا الدنيا والآخرة إذا عملت بهما أتكفل لك بالجنة تحمل ما تكره إذا أحبه اللّه ، وترك ما تحب إذا كرهه اللّه ، وقال بعضهم : قاتل هواك أشد مما تقاتل عدوّك ، وقيل لبعضهم : إنك مشدد فقال : كيف لا أشدد وقد صدني أربعة عشر عدوا شيطان يفتنني ومؤمن يحسدني ، وكافر يقاتلني ، ومنافق يبغضني والعشرة جوع ، وعطش ، وعرى ، وحرّ وبرد ، وهوام ، ومرض ، وفقر ، وموت ، ونار لا أقاومها إلا بسلاح التقوى ؟ وقيل له : مالك ؟ فقال : ثقتي باللّه وإياسي مما في أيدي الناس ، وقال : ما رأيت يقينا لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه من شيء نحن عليه ، وقال : ينبغي
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ( تفسير سورة 2 ، 48 ) ( زكاة 53 ) وأبو داود ( زكاة 24 ) والنسائي ( زكاة 76 ) والدارمي ( زكاة 2 ) والموطأ ( صفة النبي 7 ) وأحمد بن حنبل ( 1 ، 384 ، 446 ، 2 ، 260 ، 316 ، 393 ، 395 ، 449 ، 457 ، 469 ) .