باب الفقر
هو التبري من رؤية الملكة ، ويقال : هو إرسال النفس في أحكام اللّه تعالى ،
شرح
باب الفقر اعلم أنّ الفقير ليس له تصرف مما للمكلف إلا في قسمين من الأحكام ، وهما الواجب والمندوب ، وإذا كان هذا في حق غير المنقطع من الفقراء فما بالك بالمنقطع المتوجه إلى ربه الذي ترك الدنيا وشهواتها وملذوذاتها خلف ظهره ، فهو أولى وأوجب بالمطالبة بالاتباع وترك الابتداع أكثر من غيره ، وإذا كان كذلك فعليه أن يفر من الاجتماع من مجالس الذكر الموجودة الآن إذ لا يشك عاقل في تحريمها ، ولا سيما إذا اشتملت على زيادة محرمات مثل الرقص وآلات الملاهي ومرد ممن له جمال ، وعليه أن يبعد أيضا من السماع للقوالين الموجودين الآن لأنّ غناءهم بالألحان والتطريب على أنّه لو سلم من ذلك لم يدخل في باب الواجب والمندوب اللذين ليس له إلا هما ، وقد سئل العارف الكبير شيخ الطائفة الجنيد لم لا تسمع وقد كنت تسمع فقال : سمع ممن ومع من يشير رضي اللّه عنه إلى أنّ القوال يشترط أن يكون هو المربي والمفيض للإمداد والمستمع يكون من المرشدين أو المسترشدين لا كالقوالين الآن ، فيتعين على الفقير أن يحفظ مهجته بالنهوض إلى ما يجب عليه أو يندب له ، وينبغي له أن يصون حرمة الخرقة التي ينسب إليها بترك الوقوف على أبواب أبناء الدنيا ومخالطتهم والتعرف بهم ، وذلك قبيح في حق العالم ، ففي حق الفقير أحرى إذ أنه أقبل على طلب الآخرة وترك الدنيا وأهلها فوقوفه على أبواب من تقدم ذكرهم نقيض طريقته ومقصده ، فإن تعلق خاطره بشيء من ذلك فهو من أبناء الدنيا وليس له في الفقر حظ ، وهذا كله من أخلاق السلف وأحوالهم وسيرتهم الحسنة ، أسأل اللّه أن لا يخالف بنا عن أحوالهم بمنه وكرمه ، وعلى الفقير أن يجتهد في حفظ مقامه الذي هو فيه عن تدنيه بالتشوف إلى ما في يد غيره أو التعزز بعزهم الفاني ، فإذا سلم من ذلك فلا يضره السعي في قضاء حوائج إخوانه المسلمين المضطرين ، وبالجملة فالفقراء السالكون ممن مضى نفعنا اللّه ببركات أنفاسهم على ثلاثة أقسام ، فمنهم من كان لا يخالط أحدا من غير جنسه فإن وقع له شيء من ذلك قهرا تخلص منه ، ولو بالهروب كما وقع لسفيان الثوري لما تولى الخلافة من يعتقده ويحبه ففر