استمرارها يسد باب الإجابة ، قال تعالى :
وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى
[ طه : 82 ] وقد حكي أنّ بعضهم أتى مكاسين ليخلص مظلوما منهم فسألهم فيه فتركوه ثم قالوا له : ادع لنا فقال : قولوا : لذلك الكوز يدعو لكم يعني الكوز الذي يجمعوا فيه الدراهم من الظلم ، نبههم على أنّكم إن تبتم غفر لكم وما يفيد دعائي على استمراركم على الظلم .
( وقيل : الدعاء لسان الاشتياق إلى الحبيب ) إذ لولا اشتياق العبد للمدعو به لم ينطق لسانه بالدعاء بحصوله ، ( وقيل : الإذن في الدعاء خير ) للعبد ( من العطاء ) فلولا أن الحق تفضل على عبده وأذن له بالدعاء الذي هو سبب العطاء عادة لم ينل العطاء فهو من جملة العطاء ، فإذا عجل اللّه للعبد الدعاء فقد تفضل عليه بالعبادة فإن رتب عليه ما دعا به ، فقد حصل له مراده ، وإلا فقد حصل له بعض العطاء وهو الدعاء ، فالدعاء خير من العطاء ، فالإذن له فيه كذلك قطعا .
( وقال الكتاني : لم يفتح اللّه تعالى لسان المؤمن بالمعذرة ) والاعتراف بالتقصير بأن يدعو اللّه ويتضرع إليه ( إلا لفتح باب المغفرة ) له فإنّ الدعاء عبادة كما مرّ فإن ترتب عليه المدعو به كان زيادة وإلا فالحق يدخر له جزاء دعائه أو يؤتيه ما هو خير له مما يعلم أنّ فيه مصلحته ، ( وقيل : الدعاء يوجب الحضور ) والمقام للداعي على باب الحق تعالى ( والعطاء يوجب الصرف ) أي انصرافه عن باب الحق ، وفي نسخة الانصراف ( والمقام ) والبكاء ( على الباب أتم من الانصراف بالمثاب ) وفي نسخة بالثواب ، ( وقيل : الدعاء مواجهة الحق تعالى بلسان الحياء ) يعني الدعاء المحمود ما
شرح
الأعظم ذلك قال تعالى :إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ[ المائدة : 27 ] . ( قوله : لسان الاشتياق إلى الحبيب ) أي الشيء المحبوب أو الملك المطلوب . ( قوله : فالدعاء خير من العطاء ) أقول : المراد أنّه خير من بعض العطاء لا عينه ومطلقه فالفضول عطاء بعض الحظوظ والغرض إفادة أنّ الدعاء لا بدّ له من الثمن والغاية والمحقق من ذلك نفس الدعاء باعتبار التوفيق له .
( قوله : والعطاء يوجب الصرف ) أقول : ذلك باعتبار المألوف من عادة البشر وإلا فلا صرف لطالب الحق أصلا كما هو غني عن البيان ، قال عارف وقته :إن كان منزلتي في الحب عندكم * ما قد رأيت فقد ضيعت أيامي( قوله : وقيل : الدعاء مواجهة الحق الخ ) محصله أنّ من أدب الدعاء حسن الاستقامة مع استشعار التقصير في حق الحق تعالى . ( قوله : وقد تقدّمت أجرامك ) جمع جرم ، وهو الذنب بأن تجعلها نصب عينيك لتنكسر نفسك وتذل .