( وألسنة المتحققين ) أي العارفين باللّه ( خرست عن ذلك ) أي عن الدعاء إلا فيما يدعوهم العلم إليه ، ويكون هو الأحب عند ربهم وربما كان سكوتهم في وقت أولى من دعائهم فيدع الخيرة للّه ، وهو يعلم ما في قلبه ، فلا ينطلق لسانه ولهذا خرست ألسنتهم لا قلوبهم . ( وسئل الواسطي أن يدعو فقال : أخشى أني إن دعوت أن يقال لي : إن سألتنا ما لك عندنا فقد اتهمتنا ) في تأخيره ( وإن سألتنا ما ليس لك عندنا فقد أسأت الثناء علينا ) لأنّ الداعي يثني على ربه قبل دعائه فإذا أثنى عليه وطلب منه في الأثر ما لا يستحقه فلم يوقع ثناءه عليه موقعه لأنّه أردفه بما لم يوافقه مما يخالف ما جرى به القضاء ( وإن رضيت ) بما أجريناه لك ، ولم تدع بشيء ( أجرينا لك من الأمور ما قضينا لك به في الدهور ، وروي عن عبد اللّه بن منازل أنّه قال : ما دعوت منذ خمسين سنة ولا أريد أن يدعو لي أحد ) لأنّ الدعاء إنما يكون فيما اختاره العبد لنفسه ، وابن منازل ممن كمل رضاه بما يجريه عليه مولاه فاستغنى عن الدعاء بحسن اختيار مولاه له فيما قدره وأمضاه ، وفي هذا وما قبله ميل إلى أنّ ترك الدعاء أولى والأكثرون على خلافه ، قال الغزالي : فإن قيل : فما فائدة الدعاء مع أنّ القضاء لا مرد له فاعلم أنّ من جملة القضاء ردّ البلاء بالدعاء ، فالدعاء سبب لردّ البلاء ووجود الرحمة ، كما أنّ الترس سبب لدفع السلاح ، والماء سبب لخروج النبات من الأرض ، فكما أنّ الترس يدفع السهم فيتدافعان فكذلك الدعاء والبلاء ، وليس من شرط الاعتراف بالقضاء أن لا يحمل السلاح وقد قال اللّه تعالى :
وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ
[ النساء : 102 ] فقدر اللّه الأمر وقدر سببه . ( وقيل : الدعاء سلم المذنبين )
شرح
شاهد في العلم وحظ النفس . ( قوله : وربما كان سكوتهم ) أي عن سؤال حظهم في وقت أولى من دعائهم بالحظوظ الآجلة . ( قوله : فقال أخشى الخ ) الغرض من ذلك بيان ما في نفس الأمر من أنّه لا يكون إلا ما وقع القضاء الأزلي به ، ولا يمكن خلافه ، ومع هذا فذلك لا ينافي الدعاء امتثالا وعبودية لأنّه من العبادة التي يثاب العبد عليها بما شاء ربنا واللّه أعلم .
( قوله : ما دعوت منذ خمسين سنة ) أي ما دعوت دعاء بدون شاهد من العلم أما بشاهد منه فادعو ، ومثله يقال فيما قبله ، وبما قرّرناه تعلم ما في قول الشارح ، وفي هذا وما قبله ميل إلى أنّ ترك الدعاء أولى واللّه أعلم . ( قوله : فاعلم أنّ من جملة القضاء الخ ) أقول : هذا إنما يظهر فيما علق من القضاء على الدعاء لا في مطلق القضاء ، فلا تكن من الغافلين .
( قوله : فكذلك الدعاء والبلاء ) أي ويشهد له خبر « إنّ الدعاء والقضاء ليتعالجان » الحديث . ( قوله : سلم المذنبين ) أي فهو من الأسباب الظاهرة في العفو عن الذنب .