لم يجد في قلبه زيادة بسط ولا حصول زجر ، فالدعاء وتركه ههنا سيان فإن كان الغالب عليه في هذا الوقت العلم ، فالدعاء أولى لكونه عبادة ، وإن كان الغالب عليه في هذا الوقت المعرفة ، والحال والسكوت فالسكوت أولى ويصح ) أيضا ( أن يقال :
ما كان للمسلمين فيه نصيب ) أي صلاح وإظهار للعبودية ( أو للحق سبحانه فيه حق ) على العبد ( فالدعاء أولى ) لأنّ الخير المتعدي أولى من القاصر ( وما كان لنفسك فيه حظ فالسكوت أتم ) دفعا للرياء والعجب ( وفي الخبر المروي أنّ العبد يدعو اللّه سبحانه وهو يحبه فيقول ) اللّه عز وجل : « يا جبريل أخر حاجة عبدي فإني أحب أن أسمع صوته ، وإنّ العبد ليدعو اللّه وهو يبغضه ، فيقول : يا جبريل اقض لعبدي حاجته فإني أكره أن أسمع صوته » « 1 » . ويحكى عن يحيى بن سعيد القطان رحمه اللّه تعالى أنه رأى الحق سبحانه في المنام فقال : إلهي كم أدعوك فلا تجيبني فقال : يا يحيى لأني أحب أن أسمع صوتك ، وقال صلى اللّه عليه وسلم : « والذي نفسي بيده إنّ العبد ليدعو اللّه تعالى وهو عليه غضبان فيعرض عنه ، ثم يدعوه فيعرض عنه ، ثم يدعوه فيعرض عنه ، ثم يدعوه فيقول اللّه تعالى لملائكته : ( أبى عبدي أن يدعو غيري فقد استجبت له ) وقد يدعو العبد فيعلم الحق تعالى أنّ مصلحته في ضد ما دعا به ، فلا يخلقه له رحمة له فيظن لجهله أنّ تأخير استجابة دعائه مضرّ له ، وهو نافع له ، وربما جرى على لسانه :
دعوت فلم يستجب لي فيكون سببا لمنعه الإجابة كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « إنّه يستجاب لأحدكم ما لم يعجل فيقول : قد دعوت فلم يستجب لي » . ( وأخبرنا أبو الحسين علي بن محمد
شرح
وما كان لنفسك فيه حظ الخ الحظ الذي لم يكن له شاهد من السنة المحمدية .
( قوله : وفي الخبر المرويّ الخ ) فيه دلالة على أنّ تأخير الإجابة قد يكون محبة لتكرير الطلب ، وسرعة الإجابة قد تكون بقضاء ، فعلى المكلف أن يدوم على قرع باب الفتاح بالطلب ، ولا يغتر لو أجيب بسرعة .
( قوله : وقال صلى اللّه عليه وسلم الخ ) تأمله تعلم فضل الدعاء على السكوت كيف لا ، وهو من أسباب القبول .
( قوله : فيعلم الحق تعالى الخ ) أي ويشهد له خبر : « لو اطلع أحدكم على الغيب لاختار الواقع » . ( قوله : في ذلك دلالة على أنّ صدق الاضطرار الخ ) أي وفيه دلالة صريحة على فضيلة الدعاء ببيان ثمرته العاجلة قبل الآجلة .
هامش
( 1 ) أخرجه الهيثمي في ( مجمع الزوائد 10 / 151 ) وصاحب ( الإتحافات السنية 153 ) وابن عساكر في ( تهذيب تاريخ دمشق 2 / 447 ) .