يدعو لأجله ) ويدل لذلك قوله : ( أخبرنا حمزة بن يوسف السهميّ رحمه اللّه قال :
سمعت أبا عبد اللّه المكاسبي يقول : كنت عند الجنيد فأتت امرأة إليه فقالت له : ادع اللّه أن يرد عليّ ابني فإنّ ابنا لي ضاع فقال لها : اذهبي واصبري فمضت ثم عادت فقالت له مثل ذلك فقال لها الجنيد : اذهبي واصبري فمضت ثم عادت ففعلت مثل ذلك مرات والجنيد يقول لها : اصبري فقالت له : عيل صبري ) أي عجزت عنه ( ولم يبق لي طاقة عليه فادع لي فقال لها الجنيد ) بعد أن ظهر له اضطرارها ، وكملت شفقته عليها ، ثم دعا لها اعتمادا على ربه : ( إن كان الأمر كما قلت فاذهبي فقد رجع ابنك فمضت فوجدته ثم عادت تشكر له ) فضله ( فقيل للجنيد : بم عرفت ذلك ) أي مجيئه ( فقال : قال اللّه عز وجل :
أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ
[ النمل : 62 ] وقد اختلف الناس في أنّ الأفضل الدعاء أم السكوت عنه ( والرضا ) بما قدر ( فمنهم من قال : الدعاء ) أفضل لأنّه ( في نفسه عبادة قال صلى اللّه عليه وسلم : « الدعاء مخ العبادة » والإتيان بما هو عبادة أولى من تركها ) ولأنّ الدعاء إظهار الافتقار إلى اللّه تعالى ، ( ثم هو ) أي الدعاء ( حق اللّه سبحانه وتعالى ) على العبد ( فإن ) استجاب للعبد فهو زيادة وإن ( لم يستجب للعبد ولم يصل ) أي العبد ( إلى حفظ نفسه ، فلقد قام بحق ربه لأنّ الدعاء إظهار فاقة العبودية ، وقد قال أبو حازم الأعرج : لأن أحرم الدعاء أشد عليّ من أن أحرم الإجابة ) لأنّ الدعاء حق اللّه والإجابة حق العبد ، ( وطائفة قالوا : السكوت والخمول تحت جريان الحكم أتم ) من الدعاء ( والرضا بما سبق من اختيار الحق )
شرح
دعاء العبد ذي الحال والوصف الذي هو كونه مضطرا لما لا بدّ له منه ، ومعنى كونه أقرب كونه أسرع في الإجابة بحسب الوعد الصدق . ( قوله : أن يكون صاحبه مضطرا ) أي ويشهد له قوله عز وجل :أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ[ النمل : 62 ] .
( قوله : ثم دعا لها الخ ) قدره ليفيد أنّ قوله : إن كان الأمر كما قلت الخ مرتب على إجابة دعائه لها . ( قوله : وقد اختلف الناس الخ ) تأمل هذا وما منشؤه مع أنّ الدعاء مأمور به ، وهو لا ينافي الرضا بما هو كائن حيث يصدر الدعاء امتثالا وعبودية على أنّ المذموم عدم الرضا بما كان بالفعل لا في المستقبل مع النظر إلى طريق الحق ، وأنّ إرادة الترقي فيه محمودة ، ولا سيما في الدين ، فما فهمت لهذا الخلاف معنى ، فتدبر نعم إن حمل الخلاف على الدعاء بما للنفس فيه حظ دنيوي يباح طلبه ربما كان له وجه .
( قوله : فمنهم من قال الدعاء أفضل ) أقول : وهو الذي عليه المعول . ( قوله : والرضا بما سبق الخ ) أنت خبير بأنّ الدعاء لمجرد الامتثال كما قدمناه لا ينافي الرضا بما سبق على أنّه من أي طريق يعلم السابق مع احتمال تعليق الإعطاء على السؤال .