الصديقون ) أي الذين كمل صدقهم في سلوكهم نية وعملا وحالا ، ولم يصلوا إلى مقامات الولاية الخاصة ( فتصل رائحته ) أي الولي ( إلى قلوبهم فيشتاقون به إلى مولاهم ويزدادون عبادة ) ورغبة فيها ( على تفاوت أخلاقهم ) أي صفاتهم ، فإذا رأوا وليا للّه وشاهدوا عليه آثار القرب وعلامات الحب اشتد شوقهم وتنعموا بأنفاسه الدالة على قربه من ربه ، ولهذا كان ريحانة يحيا بها أرواح الصديقين . ( وسئل الواسطي ) عن الترقي في درجات الولاية بأن قيل له : ( كيف يغذى الولي ) أي يربى ( في ولايته فقال : ) يغذى ( في بدايته بعبادته ) ليحصل له النشاط والرغبة فيها ( وفي كهولته ) يعني نهايته ( يستره بلطافته ) بأن يسبغ نعمه عليه ( ثم يجذبه ) أي ينقله ( إلى ما سبق له من نعوته ) تعالى ( وصفاته ) بأن يشغله به تعالى عن غيره لكمال مراقبته له ، وتنعمه بحاله ، وتلذذه بكماله وجماله ( ثم يذيقه طعم قيامه به في أوقاته ) من وجود اللذات والتنعم بالمناجاة ، فهذا نوع مما يغذي اللّه به بعض أوليائه ، وأنواع ذلك لا تنحصر كما يلوح به كلامه فيما يأتي لاختلاف القلوب والنيات والسرعة ، والإبطاء في المجاهدات والرياضات .
شرح
ويذكرون بشم عطره من إليه دون ما سواه فاقتهم ، ويحنون بأحواله ، إلى معاهد المحبوب ، ويهيمون بأفعاله وأقواله إلى منازل المطلوب إذ المحب يميل إلى مثله ، والمشتاق لا يسكن إلا بشهود شكله حيث هو بشير الأحباب ، ونقطة دائرة الدعاة إنارة الخطاب .
( قوله : فقال : يغذى في بدايته الخ ) أقول : ولذا ثبت في صحيح الخبر « لا يزال العبد يتقرّب إليّ بالنوفل » الخ قال بعض العارفين : الرسالة في برزخ فوق النبوّة ، ودون الولاية ، قلت : ينكشف هذا بوزن الحقائق ، وذلك أنّ النبوّة تقتضي الأخذ عن اللّه بواسطة وحي اللّه ، ومقام الرسالة يقتضي تبليغ ما أمر به اللّه لعباد اللّه ، ومقام الولاية الأخذ عن اللّه باللّه ، وهذه الحقائق كلها متحققة فيمن كان رسولا للّه ، فافهم التحقيق من كلام أهل الطريق ولا تظن أنّهم معتقدون تفضيل الولاية على النبوة والرسالة كيف وغاية مقام الوليّ أول قدم للنبي ، تدبر ولا تبادر بالإنكار عسى أن تكون من جملة الأبرار ، أقول : والكلام في ولاية غير النبيّ والرسول أما ولايتهما فلا يبعد تفضيلها لدى أصحاب المعقول والمنقول . ( قوله : فقال : يغذى في بدايته الخ ) أقول : لعل ما ذكره بحسب شربه أو بحسب حال المخاطب وإلا فخزائن الفضائل ملأى لا يقدر قدرها ، ونعم اللّه تعالى جمة لا يحصى عددها ، وقد قيل : الطرائق على عدد أنفاس الخلائق .
( قوله : ليحصل له النشاط الخ ) أي بسبب وجدان لذتها وتحقق ثمرتها . ( قوله :
وأنواع ذلك لا تنحصر ) أي حيث أنّها من بساط إحسانات الحق وهي لا تتناهى . ( قوله :
لاختلاف القلوب الخ ) أي تفضله تعالى على حسب الاستعداد في ذلك . ( قوله : علامة