زماننا مفقودا فلو خالفت أحدا في هواه لخفت على نفسك منه ما تخشاه ، هذا في عدم الموافقة فيما يهواه ، فكيف لو أظهرت له نقصه ، ونبهته على نقصه في أخراه ، ولقد صدق من خبر الناس ورأى أنّ سلامة نفسه في بعده عنهم ، وإنما يصحبهم بقدر حاجته إليهم فقال :
عدوّك من صديقك مستفاد * فلا تستكثرنّ من الصحاب
فإنّ الداء أكثر ما تراه * يكون من الطعام أو الشراب
احذر عدوّك مرّة * واحذر صديقك ألف مرّه
فلربما انقلب الصدي * ق فكان أعلم بالمضره
ولهذا كان الوليّ الذي يخالط الناس يداري ولا يرائي ، ويخالق ولا ينافق ( وقال أبو علي الجوزجاني : الولي : هو الفاني في حاله الباقي في مشاهدة الحق تولى اللّه سبحانه سياسته فتوالت عليه أنوار التوليّ ) أي تولى اللّه سياسته ( لم يكن له عن نفسه إخبار ، ولا مع غير اللّه عز وجل قرار ) هذا حال الولي المنقطع إلى اللّه ، وما مرّ حال الولي المتوسط بين اللّه وعباده ، ( وقال أبو يزيد : حظوظ الأولياء مع تباينها )
شرح
كان كذلك ، فالعزلة أولى لعدم منفعة الخلطة بل الضرر فيها هو الغالب . ( قوله : عدوّك الخ ) أي فالعداوة قد تنشأ من الصداقة بواسطة مخالفة الهوى كأمر بمعروف ، أو نهي عن منكر ، وحينئذ فلا ينبغي الاستكثار من الأصحاب ، وذلك باعتبار زماننا غني عن البيان .
( قوله : ولهذا كان الولي الخ ) أي فهو مع الناس بقالبه ، ومع ربه بقلبه ، فهو كائن بائن . ( قوله : الولي الفاني في حاله ) أي لأنّه إذا دخل حضرة الذات فنيت منه الرسوم والصفات ، فلا يعرج على المقامات ، ولا يكون له إليها التفات ، فإن أردت مثل ذلك ، فانهج نهج هذه المسألة ، شعر :ومهما ترى كل المراتب تجتلي * عليك فحل عنها فعن مثلها حلنا
وقل ليس لي في غير ذاتك مطلب * فلا ضرورة تجلى ولا طرفة تجنى( قوله : لم يكن له عن نفسه أخبار ) أي لفنائه عما سواه تعالى .
( قوله : المنقطع إلى اللّه ) أي فهو لغيرة الحق تعالى عليه قد حجبه عن غيره . ( قوله :
حظوظ الأولياء الخ ) إن قلت : هل هناك علامة للوليّ قلت : نعم هو من رأيت طلعته منيرة ، فاستدل بذلك منه على صفاء السريرة ، ولا سيما إذا قوبل بالقبول من كل قابل ومقبول ، شعر :وسنة اللّه من يخلص سريرته * يعظم اللّه بين الناس مشهده
فالوجه للقلب كالمرآة تظهره * والقلب للوجه كالمشكاة يوقده