الحق سبحانه ببره وقام عنه بنفسه ) فيكاشف بما هو فوق طاقته من الكرامات ( وهذا الذي قاله أبو يزيد : يشير إلى أنّ الخواص من عباده ) كالذين فنوا بعد ملابسة الأسماء المذكورة و ( ارتقوا عن هذه الأقسام ) الأربعة إلى ما هو أعلى منها ( فلا العواقب هم في ذكرها ، ولا السوابق هم في فكرها ولا الطوارق ) الظاهرة والباطنة ( هم في أسرها ، وكذا أصحاب الحقائق ) وهم من جملة الخواص من عباده ( يكونون محوا عن نعوت الخلائق كما قال اللّه سبحانه وتحسبهم ) لو رأيتهم ( أيقاظا ) لأنّ أعينهم مفتوحة ( وهم رقود ، وقال يحيى بن معاذ : الولي ريحان اللّه تعالى ) بفتح الراء ( في الأرض يشمه
شرح
العيان ، ثم وصلوا إلى ما يعبر عنه بالعرفان ، فكانت بدايتهم عليهم الصلاة والسلام نهاية العارفين والسلام ، فقول العارف . وكل بلا أيوب بعض بليتي . على معنى أنّ بلاء أيوب في الجسد دون الروح ، وبلاء هذا العارف فيهما معا في الروح بالأوام ، وفي الجسد بالسقام ، فافهم ولا ترجع لمن لا يعلم .
( قوله : فيكاشف بما هو فوق طاقته ) أي يكون معانا ومحمولا بلا تعب ولا نصب لأنّه نزل على ساحل بحر المعاني الذوقية ، فأشرقت عليه هنالك شمس المعارف الكشفية ، فصار بذلك أفق طلوعها بنور شروقها ، ومحل غروبها بعد بروقها ، له التصرف من جواهر التحقيق ، واليد الطولى في التدقيق ، فيا من دخل بحر التوحيد واستضاء بشمس الذات ، واستنار بنور الصفات ، وقرأ سورة المكتوم ، وفهم تعلق العلم بالمعلوم ، ودخل بحبوحة ذلك الفضاء الواسع في حضرات شهود النور الساطع أنت الغريب في الأكوان لما جمعت من حقائق العرفان حضرة غيبك لا تفهم ، وأسرار علومك لا تعلم ، شعر :ومذ عنك غبنا ذلك العام إننا * على بحر أعلى وساحله معنا
وشمس على المعنى توافق أفقنا * فمغربها فينا ومشرقها منا
ومست يدانا جوهرا منه ركبت * نفوس لنا لما صفت فتجوهرنا
فما السر والمعنى وما الشمس قل لنا * وما جوهر البحر الذي عنه عبرنا
حللنا وجودا واسمه عندنا الفضا * يضيق بنا وسعا ، ونحن فما ضقنا
تركنا البحار الزاخرات وراءنا * فمن أين يدري الناس أين توجهنا( قوله : يشير إلى أنّ الخواص الخ ) محصله أنّ العارف لا يكمل حاله ، ولا يتم مقامه إلا بعد فنائه عن سائر الكائنات شغلا بذات المكوّن جلت عظمته لكونه لم يبق فيه متسع لغير ذلك لامتلاء قلبه بمحبة ذاته تعالى .
( قوله : الولي ريحان اللّه تعالى ) مراده أنّ الكامل من الأولياء يكون مثل الريحان ينتفع به الصديقون وغيرهم ممن لم يصل إلى درجته لكونهم بمشاهدته يجدون راحتهم ،