يكره الموت وأنا أكره مساته » « 1 » وروي « من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة » وفيما ذكر دلالة على شرف الأولياء ورفعة منزلتهم حتى لو تأتى أنّه تعالى لا يذيقهم الموت الذي حتّمه على عباده لفعل ، ولهذا المعنى ورد لفظ التردد كما أنّ العبد إذا كان له أمر لا بدّ له أن يفعله بحبيبه لكنه يؤلمه فإن نظر إلى ألمه انكف عن الفعل ، وإن نظر إلى أنّه لا بدّ له منه لمنفعته أقدم عليه ، فيعبر عن هذه الحالة في قلبه بالتردد ، فخاطب اللّه الخلق بذلك على حسب ما يعرفون ، ودلهم به على شرف الولي عنده ، ورفعة درجته ثم ( الولي له معنيان أحدهما ) أنّه ( فعيل بمعنى مفعول ، وهو من يتولى اللّه سبحانه أمره قال اللّه سبحانه :
وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ
[ الأعراف :
196 ] فلا يكله إلى نفسه لحظة بل يتولى الحق سبحانه رعايته ، والثاني ) أنّه ( فعيل مبالغة من الفاعل ، وهو الذي يتولى عبادة اللّه وطاعته ، فعبادته تجري على التوالي من
شرح
العمال أربعة : تائب ، وزاهد ، ومشتاق ، وواصل ، فالتائب محجوب بتوبته ، والزاهد محجوب بزهده ، والمشتاق محجوب بماله ، والواصل لا يحجبه عن الحق شيء ، واعلم أنّ الوصول كثر دورانه في عبارة الصوفية ، وكذا الاتصال والمواصلة ، وذلك لا يجوز فهمه على ما بعهد من الوصل الحسّي والاتصال الجرميّ ، والمواصلة النفسية ، وإنما هي عبارات عن أذواق معنوية ، ومكاشفات قدسية ، قال ابن عطاء اللّه : وصولك إلى اللّه وصولك إلى العلم به يعني بجلاله ، وعظمته ، وكبريائه ، ولطفه ، وبره ، ورأفته ، وجماله ، ثم قال : وإلا فجل ربنا أن يتصل به شيء ، فأشار بذلك إلى تمجيده تعالى عن الاتصال الجرميّ والجسمي والعرضيّ والجوهريّ والروحيّ والجسديّ ، وأعلم أنّ القوم قد فرقوا بين المتصل والواصل قال أبو سعيد القرشي : الواصل الذي يصله اللّه فلا يخشى عليه القطع أبدا ، والمتصل الذي بجهده يتصل ، وكلما دنا انقطعوَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ[ القصص : 68 ] واللّه أعلم بالحقائق . ( قوله : كنت سمعه الخ ) المعنى كنت حافظا لجوارحه الظاهرة والباطنة ، فلا يترك مراقبة الحق في كامل حركاته وسكناته ( قوله : من أهان لي وليا الخ ) أي من أوقع الهوان به قولا أو فعلا ، فقد بارزني بالمحاربة أي فقد تعرض لسخطي وعذابي . ( قوله : حتى لو تأتى أنّه لا يذيقهم الموت الخ ) أفاد بذلك أنّ حقيقة التردد تستحيل عليه تعالى ، وإنما ذكرت جريا على المعروف المألوف للمخاطبين . ( قوله : فعبادته تجري على التوالي ) أي من غير كلفة فيها لصيرورتها مألوفة له ، ولهذا قال بعض العارفين : يصل الولي إلى رتبة يزول عنه فيها التكليف أي فيكون أولا يجد كلفة التعب ، ثم إذا وصل وجد بالتكليف الراحة والطرب ، وذلك من
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ( رقاق 38 ) .