بحسب ما فهمه اللّه تعالى ذلك عنه ، فإنّ نباح الكلب منه خير وطاعة ( فقال تعالى :
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
[ الإسراء : 44 ] وقد علّم اللّه سليمان عليه السلام كلام الطير ، وكلام النمل لما سمعها تقول : ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده ، ووجه دخول ذلك في الغيرة كون النوريّ لم يحتمل ذكر المؤذن مع الغفلة .
( وأذن الشبليّ مرة ، فلما انتهى إلى الشهادتين قال : لولا أنّك ) يا رب ( أمرتني ) بذكره صلى اللّه عليه وسلم ( ما ذكرت معك غيرك ) وذلك لأنّه لما غلب عليه دوام ذكر اللّه بقلبه ولسانه حتى شغله ذلك عن الشغل بغيره لم يحتمل قلبه ذكر غيره معه ، ووجه دخول ذلك في الغيرة أنّ من كملت محبته وغيرته للّه تعالى لا يحتمل ذكر غيره في حال غلبة ذكره على قلبه . ( وسمع رجل رجلا يقول : جلّ اللّه فقال له ) لما سمعه يذكر اللّه : ولم ير ما يدل على إجلاله وتعظيمه له ( أحب ) لك ( أن تجله عن هذا ) بأن تذكره مجلا معظما له بقلبك ولسانك حتى يظهر ذلك على جوارحك . ( سمعت بعض الفقراء يقول : سمعت أبا الحسن الخزفانيّ رحمه اللّه يقول : ) قائل ( لا إله إلا اللّه ) يقولها : ( من داخل القلب ) عارفا به محبا له ، وقائل ( محمد رسول اللّه ) يقولها : ( من ) خلف ( القرط ) بضم القاف وإسكان الراء وهو ما يعلق في شحمة الأذن يعني من القفا بغير اختيار ( ومن نظر إلى ظاهر هذا اللفظ توهم أنّه استصغر الشرع ولا ) أي وليس ( كما يخطر بالبال إذ الأخطار ) في القلب ( للأغيار بالإضافة إلى قدر الحق تعالى متصاغرة في التحقيق ) وإن كان بعضها عظيما في نفسه ، فإنّ جلالة اللّه لا توازى بمخلوق ، وإنما عظمت الأنبياء لتعظيم اللّه لهم حتى جعل طاعتهم طاعته فقال : من يطع الرسول فقد أطاع اللّه هذا مع أنّ الأدب ترك هذه المقالة لبشاعتها .
ولو قدر أنّها جرت على لسان من غلب عليه الحال والبسط ، وكان معذورا فذكرها عنه على وجه المدح له ، وحسن حاله ليس بحسن إذ من كمال الأحوال أن يحفظ اللّه العبد في غيبته وحضوره .
شرح
وقوله : فعلته موافقة لأهلي الخ اللام فيه للصيرورة حيث لم تكن الموافقة مقصودة .
( قوله : وقد علم اللّه سليمان الخ ) دليل على قوله : بحسب ما فهمه اللّه تعالى ذلك عنه . ( قوله : ومن نظر الخ ) أقول : وإن كان التأويل محتملا إلا أنّ بشاعة هذا القول وشناعته وقبح ظاهره لا يخفى على من له أدنى ذوق في طريق الأدب لأنّ تعظيم رسل اللّه بأمر اللّه تعظيم للّه ، فلا حول ولا قوة إلا باللّه .