السلميّ رحمه اللّه يقول : كان الأستاذ أبو سهل الصعلوكيّ يتوضأ يوما في صحن داره ) من قمقمة ( فدخل إليه إنسان وسأله من الدنيا ، ولم يحضره شيء ) يعطيه له ( فقال ) له : ( اصبر حتى أفرغ ) من وضوئي ( فصبر فلما فرغ قال له : خذ القمقمة واخرج فأخذها وخرج ثم صبر حتى علم أنّه بعد ) وأيس من أن يلحقه أحد ( فصاح وقال :
دخل إنسان ) عليّ ( وأخذ القمقمة ) يوهم أنّه اختلسها ( فمشوا خلفه فلم يدركوه ، وإنما فعل ذلك ) أي أوهمهم اختلاس القمقمة ( لأنّ أهل المنزل كانوا يلومونه على كثرة البذل وسمعته ) أيضا . ( يقول وهب الأستاذ أبو سهل ) الصعلوكي : ( جبته من إنسان في الشتاء ) مع احتياجه إليها ( وكان يلبس ) بدلها ( جبة النساء حين يخرج إلى التدريس ) مع أنّها تذري بقدره ( إذ لم يكن له جبة أخرى ، فقدم الوفد المعروفون من فارس فيهم من كل نوع إمام من الفقهاء والمتكلمين والنحويين ، فأرسل إليه صاحب الجيش أبو الحسن وأمره بأن يركب للاستقبال ) للوفد ( فلبس دراعة ) بضم المهملة ( فوق تلك الجبة التي للنساء ، وركب فقال صاحب الجيش : إنّه يستخف بي ) ولم يجعل لنفسه حرمة ( أمام البلد يركب في جبة النسوان ) ويلقى بها من أقبل علينا من العلماء .
( ثم إنّه ناظرهم أجمعين فظهر كلامه على كلام جميعهم ) وارتفع عليهم ( في كل فن ) تكلموا معه فيه ، فتبين أنّ حرمته دينية لا دنيوية ، وأنّ درجته علمية وقلبية لا قالبية . ( وسمعته ) أيضا ( يقول : لم يناول الأستاذ أبو سهل أحدا شيئا بيده ) على وجه الصدقة ( و ) إنما ( كان يطرحه على الأرض ليأخذه الآخذ من الأرض ) لكمال زهده في الدنيا وقلة قدرها في عينه ، ( وكان يقول : الدنيا أقل خطرا ) أي قدرا ( من أن أرى لأجلها يدي فوق يد أحد ) فأنا أفعل ذلك حتى لا تكون يد الآخذ سفلى ( وقد قال صلى اللّه عليه وسلم : « اليد العليا خير من اليد السفلى » « 1 » ) والعليا هي المنفقة ، والسفلى هي الآخذة
شرح
أي على جري العادة الإلهية في المحسود مع الحاسد ، واللّه أعلم . ( قوله : وإنما فعل ذلك الخ ) أي ولإمتثال الأمر بإخفاء الصدقة .
( قوله : إمام البلد ) أي المقدم على أهلها يركب الخ أي ومثله لا يليق به ذلك ، ولكن يبقى النظر في غفلة صاحب الجيش عن التفتيش عن السبب في ذلك . ( قوله : فتبين
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ( وصايا 9 ) ( رقاق 11 ) ( زكاة 18 ) ، ( نفقات 2 ) ومسلم ( زكاة 94 - 97 ، 106 ) وأبو داود ( زكاة 28 ) والترمذي ( زكاة 38 ) ( زهد 32 ) ( قيامة 29 ) والنسائي ( زكاة 50 ، 52 ، 53 ، 60 ، 93 ) والدارمي ( زكاة 23 ) والموطأ ( صدقة 8 ) وأحمد بن حنبل ( 2 ، 27 ، 98 ، 122 ، 152 ، 230 ، 243 ، 278 ، 288 ، 319 ، 363 ، 394 ، 434 ، 475 ، 476 ، 480 ، 501 ، 524 ، 527 ، 3 ، 330 ، 346 ، 402 ، 403 ، 434 ، 5 ، 262 ) .