أكلنا من التي نحرت لنا البارحة إلا اليسير ؟ فقال : إني لا أطعم أضيافي الغابّ ) بالمعجمة وبالموحدة المشددة أي البائت ( فبقينا عنده ) في الضيافة ( يومين أو ثلاثة ) وكان ذلك في الشتاء ( والسماء تمطر وهو يفعل كذلك ) أي مثل ذلك الفعل المذكور ( فلما أردنا الرحيل ) من عنده وكان الرجل إذ ذاك غائبا ( وضعنا له مائة دينار في بيته ) يعتان بها على شأنه ( وقلنا للمرأة : ) ادفعيها له و ( اعتذري لنا إليه ومضينا ) إلى جهة مقصدنا ( فلما متع النهار ) بتخفيف التاء أي ارتفع وسرنا زمانا ( إذا نحن برجل ) فارس ( يصيح خلفنا قفوا أيها الركب اللئام اعطيتموني ثمن قراي ، ثم إنّه لحقنا وقال ) لنا :
( لتأخذنه وإلا طعنتكم برمحي هذا ، فأخذناه ) منه ( وانصرف عنا ، فأنشأ يقول :
وإذا أخذت ثواب ما أعطيته * فكفى بذاك النائل تكديرا )
في ذلك دلالة على الكرم من الجانبين .
( سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلميّ رحمه اللّه يقول : دخل أبو عبد اللّه الروذباريّ دار بعض أصحابه فوجده غائبا ) عنها ( وباب بيت له ) بها ( مقفل فقال ) منكرا عليه ( صوفي وله باب بيت مقفل ) أي لا ينبغي لصوفي أن يكون عنده حرص على الدنيا ، ولهذا قال : ( اكسروا القفل فكسروا القفل وأمر بجميع ) أي بإخراج جميع ( ما وجد في الدار والبيت وأنفذه ) أي أخرجه وأرسله ( إلى السوق ) فنقلوه ( وباعوه واصلحوا وقتا ) لهم ( من الثمن ) الذي باعوا به ( وقعدوا في الدار ) لوثوقهم برضا صاحبها بذلك ، ومحبته لهم ، وشكره للّه تعالى على ما منّ به عليه من عدم اعتبار الدنيا عنده ، ( فدخل صاحب المنزل ) فوجدهم فيه ( ولم يمكنه أن يقول شيئا ) مع سروره بذلك ( فدخلت امرأته بعدهم الدار ) أي بعد أن دخلوها وفعلوا ما فعلوا ( وعليها كساء ) وأعلمها زوجها بما جرى ، وبمن الداخل عليهم ( فدخلت بيتا ) من بيوت الدار ( ورمت ) لهم ( بالكساء ) الذي كانت ملتحفة به ( وقالت : يا أصحابنا هذا )
شرح
التجريد على نفسه بغاية التشديد ، فهو حينئذ طالب للإفادة مع البقاء على العادة ، يحضر ويغيب ، ويخطئ ويصيب ، غير أنّ التلميذ التحرير دائما يقصد التحرير ، فهو إذا بين النجباء قد يفوق الألباء . ( قوله : فقال : إني لا أطعم أضيافي الغابّ ) فيه أنّ الغاب لا خير فيه ، وهو كذلك ، ولا سيما ما يبيت فيما من شأنه أنّه يصدأ من الأواني . ( قوله : أيها الركب اللئام الخ ) سماهم بذلك لأنّهم بذلوا في مقابلة إكرامهم مائة دينار ، وهو مما ينافي الكرم عنده . ( قوله : صوفي وله باب بيت مقفل الخ ) أي ولذا قيل : من أقبح القبيح صوفيّ شحيح .
( قوله : ورمت لهم بالكساء الخ ) أي لأجل إيثارهم على نفسها ، وهو من أقوى