الكرم فعاد بعضنا على بعض ) أي واسى غنينا فقيرنا ( حتى استغنينا ) كلنا إذ الغنى غنى النفس لخبر : « ليس الغنى عن كثرة العرض إنما الغنى غنى النفس » « 1 » وذلك لأنّ من استغنت نفسه باللّه ، ووثق به هان عليه بذل ما في يده في البر ومن كثر ماله ولم يهن عليه بذله ، وربما اشتد حرصه على الزيادة فيه ، فهو فقير ، فهذا المدنيّ لما أتى إلى منبج ، ووجد فيها الفقير والغني دلهم على غنى النفس ، فزهد ذو المال وهان عليه بذله ، وقنع الفقير فاستغنى بما تيسر له ، فاستغنوا كلهم . ( سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول : لما سعى ) أي وشى ( غلام الخليل ) بن أحمد ( بالصوفية إلى الخليفة ) وسكنت نفسه إلى قوله بأنهم يستحقون القتل بما هم عليه من الزندقة ( أمر بضرب أعناقهم فأما الجنيد ، فإنّه تستر بالفقه ) فخلى سبيله ( وكان يفتي على مذهب أبي ثور ، وأما الشحام والرقام والنوري وجماعة ) غيرهم ( فقبض عليهم ) للقتل ( فبسط النطع لضرب أعناقهم ، فتقدم النوري فقال له السياف : تدري لماذا تبادر فقال : نعم ) أبادر للقتل ( فقال : وما يعجلك فقال : أوثر عليّ أصحابي بحياة ساعة ) هذا من أشد الإيثار ، فإنّ الإيثار قد يكون بالمال ، وقد يكون بالنكاح ، وقد يكون بإتلاف عضو ومنفعة ، وقد يكون بالنفس وهو أعظمها .
شرح
من نعت المكاسب ، الأستاذ أكمل من الشيخ في الأحوال وأعلى منه في المعارف والأقوال ، الأستاذ من جمع دين الأنبياء وتدبير الأطباء وسياسة الملوك ، وافتقر لغناه الملك والصعلوك ، الأستاذ له تصريف التمكين وإيضاح التبيين ، الأستاذ من كمل الدوائر وانطوى في نشره الأوائل والأواخر ، الأستاذ عارف مطلق وسيد سند محقق ، الأستاذ فتى الأخلاق حبيب الخلاق ، فكل أستاذ شيخ ولا ينعكس كما أنّ كل مريد تلميذ ولا يلتبس .
( قوله : ولكنه علمنا الكرم ) أي فكان الكرم إنما صدر منه ، وأخذ عنه ، وله الإشارة بخبر : « الدال على الخير كفاعله » .
( قوله : هان عليه بذل ما في يده في البر ) أي ورضي بكل شيء تيسر له ، وإن قل .
( قوله : فإنّه تستر بالفقه ) أي اتخذه ساترا لحاله الباطني .
( قوله : وأما الشحام الخ ) أي فكانوا ممن كمل اللّه لهم مقام الرضا والتسليم لما يجريه العليم الحكيم ، ولذلك قيض اللّه لهم النوري ، وثبت منه القدم فآثرهم بالحياة وللقتل تقدّم ، ووفق السياف ، فكان السبب في براءة الإشراف ، وألهم القاضي الامتحان
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ( رقاق 15 ) ومسلم ( زكاة 120 ) والترمذي ( زهد 40 ) وابن ماجة ( زهد 9 ) وأحمد بن حنبل 2 ، 243 ، 261 ، 315 ، 390 ، 438 ، 443 ، 539 ، 540 ) .