الجود والسخاء ) وإن كان بينهما فرق معنويّ كما مر ، وكما يأتي ، ( ولا يوصف الحق سبحانه بالسخاء ) والسماحة ( لعدم التوقيف ) عليهما منه تعالى ( وحقيقة الجود ) ممن اتصف به ( أن لا يصعب عليه البذل ) على ما تقدّم بيانه ، ( وعند القوم السخاء هي الرتبة الأولى ) في البذل ( ثم الجود ) لأنّه يشعر بزيادة البذل والسرعة إليه ( بعده ) تأكيدا لما أفادته ثم ( ثم الإيثار ، فمن أعطى البعض وأبقى البعض فهو صاحب سخاء ، ومن بذل الأكثر وأبقى لنفسه شيئا فهو صاحب جود ، والذي قاسى الضرر ، وآثر غيره بالبلغة ، فهو صاحب إيثار ، كذلك سمعت الأستاذ أبا عليّ الدقاق رحمه اللّه يقول : ) وتقدم بيان ذلك ( قال أسماء بن خارجة : ما أحب أن أرد أحدا عن حاجة طلبها مني لأنّه إن كان كريما أصون عرضه ) عن أن يذله لغيري بسؤاله له ، فلا أرده خائبا بعد سؤاله ( وإن كان لئيما أصون عنه عرضي ) بأن يتكلم فيّ ، وينسبني إلى البخل ، ( وقيل : كان مورق العجليّ يتلطف في إدخال الرفق على إخوانه ) بحيث أنّه عرف منهم حاجة إلى شيء ، فلا يأتيهم به على وجه الصدقة خوفا من انكسار قلوبهم وقت ذكرهم له بل ( يضع عندهم ألف درهم ) مثلا بصورة الأمانة ( فيقول : أمسكوها عندكم حتى أعود إليكم ) ثم يتركهم زمانا ( ثم يرسل إليهم ) من يقول لهم : ( أنتم منها في حل ) فأنفقوها فلم يباشرهم بأنها صدقة ، كل ذلك شفقة على قلوبهم ، وفي ذلك صيانة لماء وجه الفقير ، ورفعة لقدره ( وقيل : لقي رجل من أهل منبج رجلا من أهل المدينة ) المشرفة ( فقال : ممن الرجل ) أي من أهل أي بلد ( فقال : من أهل المدينة فقال له : ) لقد أتانا رجل منكم يقال له : الحكم بن المطلب فأغنانا ، فقال له المدني :
وكيف ) أغناكم ( وما أتاكم إلا في جبة صوف فقال : ما أغنانا بمال ، ولكنه علمنا
شرح
( قوله : والذي قاسى الضرر الخ ) إن قلت من أيّ وجه فضيلة الإيثار مع المنع مما يضرّ بالنفس وقد ثبت في الخبر « ابدأ بنفسك » ، قلت : من وجه قوّة صبر المؤثر فكأنه حينئذ لا ضرر ، والحديث فيمن لم يثق بنفسه صبرا . ( قوله : أصون عرضه ، وقوله : بعد أصون عنه عرضي ) أي وكل منهما من المقاصد الشريفة الصحيحة .
( قوله : يتلطف في إدخال الرفق الخ ) أي يستعمل طريق الرفق في حالة مواساة الخلق بالمال بوجه لا يكون معه انكسار نفوسهم . ( قوله : بل يضع الخ ) منه يعلم أنّه جدير بأن يكون من المشايخ الموصلين إلى الطريقة ، ومن الأستائذة في فنون الحقيقة ، فقد قيل : الشيخ من علمك بقاله ونهضك بحاله الشيخ من أفاد الطالب وفتح المطالب ، الشيخ من كمل في ذاته وكمل بصفاته ، الشيخ من إذا حللت حماه ، وجدت به الغنى عما سواه ، الشيخ من يفيدك في الشهادة والغيب ويطهرك بسره من العيب ، الشيخ من ستره اللّه بحجاب البشرية غيرة على خاصة الخصوصية ، والأستاذ من وهب المواهب وأراح نفسه