العمل للآخرة ،
وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى
[ الأعلى : 17 ] ، وقريب مما قاله : السماحة والكرم وكل منهما ممدوح ومطلوب .
( قال اللّه سبحانه :
وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ
) [ الحشر : 9 ] أي حاجة . ( أخبرنا عليّ بن أحمد بن عبدان ) رحمه اللّه ( قال : أخبرنا أحمد بن عبيد قال : حدثنا الحسن بن العباس قال : حدثنا سهل قال : حدثنا سعيد بن مسلم عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم عن علقمة عن عائشة رضي اللّه عنها قالت :
قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « السخي ) أي بماله وجاهه وبسائر ما طلب منه شرعا ( قريب من اللّه تعالى قريب من الناس قريب من الجنة بعيد من النار والبخيل » ) « 1 » أي بما ذكر ( بعيد من اللّه تعالى بعيد من الناس بعيد من الجنة قريب من النار ، والجاهل السخيّ أحب إلى اللّه تعالى من العابد البخيل » ) لأنّ الأول سريع الانقياد إلى ما يؤمر به من تعلم وغيره ، وإلى ما ينهى عنه بخلاف الثاني ، فإنّه ببخله عصى اللّه على علم بما يضره . ( قال الأستاذ ، ولا فرق على لسان القوم ) في تحصيل الأحبية المذكورة ( بين
شرح
يخلو عنه الناس في الغالب من ترجيح جانب الدنيا على الآخرة ، وقوله :وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى[ الأعلى : 17 ] حال من فاعل تؤثرون مؤكدة للتوبيخ أي تؤثرونها ، والحال أنّ الآخرة خير في نفسها لكون نعيمها مع كونه في غاية اللذة خالصا من شائبة الغائلة أبديا لا انصرام له ، وعدم التعرض لبيان تكدّر نعيم الدنيا بالمنغصات وانقطاعه عما قليل لغاية ظهوره . ( قوله : أي حاجة ) أي وسواء كانت مجاعة أو غيرها ، فما ذكره أعم مما قاله غيره من تفسير الخصاصة بأنها المجاعة . ( قوله : وبسائر ما طلب منه الخ ) هو من عطف الأعم وفيه التصريح بكيفية السخاء إذ هو إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي على الوجه الذي ينبغي . ( قوله : قريب من اللّه ) أي من رحمته وقوله : قريب من الناس أي من محبتهم وميلهم إليه بقلوبهم ، ومثله يقال فيما بعده . ( قوله : لأنّ الأوّل سريع الخ ) أي مع ما فيه من الفضيلة المتعدي نفعها .
( قوله : فإنّه ببخله عصى اللّه الخ ) أي وذلك بسبب صدأ قلبه المتراكم عليه من ظلمة نفسه ، ووقوفه مع صور الأكوان ، فحجب بذلك عن قبول الحقائق وتجليات الأنوار ، فإن رسخ هذا الوصف فيه غاية الرسوخ وصل إلى الحرمان والحجاب الكلي المسمى رينا ، ورانا المذكور في قوله تعالى :كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ[ المطففين : 14 ] . ( قوله : ولا فرق على لسان القوم في تحصيل الأحبية المذكورة ) أي في تحصيل أصلها ، وإلا فهي تتفاوت على حسب تفاوت مرتبتي الجود والسخاء على ما لا يخفى على ذي بصيرة .
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي ( بر 40 ) .