تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 347

مساهمون:

ص٣٤٧

باب الجود والسخاء

هما عند كثير بمعنى ، وفرق القوم بينهما كما سيأتي بأنّ السخاء إخراج العبد بعض ما يملكه بسهولة ، والجود إخراجه أكثر ما يملكه بسهولة ، والإيثار المذكور في الآية الآتية إخراجه جميع ما يملكه بسهولة مع حاجته إليه ، فحقيقته تقديمك غيرك على نفسك ، ومنه
بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا
[ الأعلى : 16 ] أي تقدّمون العمل لها على
شرح
باب الجود والسخاء اعلم أنّ الجود على ما تقدم يشمل الجود بالمال ، وبالجاه ، وبالنفس ، وبالكونين ، والأخير أرفع الأنواع رتبة لأنّه خلقه صلى اللّه عليه وسلم ، وكل من الجود والسخاء لا يتحلى به إلا من كانت نفسه شريفة قانعة فانية في حب الخير راغبة فيما عنده تعالى مما وعد به على لسان سيد الرسل صلى اللّه عليه وسلم ، ويقال لمن اتصف بالجود على طريقة القوم : صبيح الوجه ، وهو عندهم المتحقق بحقيقة الاسم الجواد ، ومظهريته ، لتحقق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم به ، روى جابر أنّه ما سئل عن شيء قط فقال : لا ومن استشفع به إلى اللّه تعالى لم يرد سؤاله كما أشار إليه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب كرّم اللّه وجهه في قوله : إذا كان لك إلى اللّه تعالى حاجة فابدأ المسألة بالصلاة على النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ثم سل حاجتك فإنّ اللّه تعالى أكرم من أن يسأل حاجتين ، فيقضي إحداهما ويمنع الأخرى ، والوارث له صلى اللّه عليه وسلم في هذا النعت هو الأشعث من الأخفياء الذي ورد فيه « رقب أشعث مدفوع بالأبواب لو أقسم على اللّه لأبره » « 1 » . ( قوله : وفرق القوم بينهما ) أي وبين الإيثار كذلك على ما يأتي في كلامهم فالفضل مواهب على مقتضى حكمة الباري تعالى . ( قوله : ومنهبَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا[ الأعلى : 16 ] أي تقدّمون اللذات العاجلة الفانية والخطاب إما للكفرة ، وعليه فالمراد بإيثار الدنيا هو الرضا ، والاطمئنان بها والإعراض عن الآخرة بالكلية كما في قوله تعالى :إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها[ يونس : 7 ] أو للكل ، وعليه ، فالمراد إيثار ما هو أعم مما ذكر وما لا
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم ( بر 138 ) ( جنة 48 ، 6 ) .
نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 347 | الشيخ عبد الله العروسي / عبد الوارث محمد على