يقبلها فدفع إليه الصحاح ، فلما رجع عبد اللّه ) إلى حانوته ( قال لتلميذه ، أين قميص المجوسيّ فذكر له القصة فقال : بئسما عملت إنّه منذ مدة يعاملني بمثلها ، وأنا أصبر عليه ) وآخذها منه ( وألقيها في بئر لئلا يغرّ بها غيري ) وإن احتمل أن يدفع مثلها لغيره أيضا ، فإنّ هذا الاحتمال لا يرتفع بأخذه لها ، ولا بعدم أخذه ، وفيما ذكره دلالة على حسن خلقه حيث أشفق على غيره ، وعمل بلا أجرة ينتفع بها . ( وقيل : الخلق السيء يضيق قلب صاحبه ) فقلما ينشرح قلبه لشيء مما يعامل به لأنّ الأمور كلها لا تجري على مراده ، فهو يشبه الحاسد ( لأنّه لا يسع فيه غير مراده كالمكان الضيق لا يسع فيه غير صاحبه ) فسوء الخلق كان ضرره على صاحبه ، وبذلك يعرف حكم حسن الخلق ، ( وقيل : حسن الخلق أن لا تتغير ) أنت ( ممن يقف في الصف بجنبك ) من كونه عبدا أو حرا ، فقيرا أو غنيا جاهلا أو عالما لأنّ تغيرك منه يدل على الكبر والأنفة فلم يحسن خلقك ( وقيل : من سوء خلقك وقوع بصرك على سوء خلق
شرح
والحضرة الإلهية مطهرة مقدسة لا يدخلها من له أوصاف مدنسة ، فلذلك لم يطرقها من غير أهلها طارق ، ولا يصل إليها لص ولا فاسق ، شعر :وليس جناب القدس إلا لأهله * وما كل إنسان بواديه يسرحومن ذلك تعلم ومن إشارته تفهم أنّ تستر أصحاب الكمال من الرجال هو الذي أوجب ظهور الجهال الأنذال ، شعر :لما أباح الليث غابة عرسه * طنّ البعوض وزمزم الذبان( قوله : إنّه منذ مدة الخ ) أقول « إنما الأعمال بالنيات ولكل من العبيد درجات » « 1 » وذلك بحسب المقاصد والمطالب لكل قاصد وطالب « إنّ اللّه لا ينظر إلى صوركم وأعمالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم ونياتكم » « 2 » فاللّه تعالى يطهر مقاصدنا ، ويعفو بجوده وكرمه عن مفاسدنا . ( قوله : لا يرتفع بأخذه لها الخ ) هو وإن كان كذلك إلا أنّه ينقص الضرر بإتلاف ما كان يأخذه ، ولا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها[ البقرة : 286 ] ، فما فعله هذا العارف هو المقدور له .
( قوله أن لا تتغير الخ ) فيه مراعاة لحال المخاطب ، وإلا فحسن الخلق أعم من ذلك . ( قوله : بل أوّل الأفعال الخ ) أي ولذا قيل : لا تنظر القذى في عين غيرك ، وانظر
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ( بدء الوحي 1 ) ( عتق 6 ) ( مناقب الأنصار 45 ) ( طلاق 11 [ في الترجمة ] أيمان 23 ) إكراه [ في ترجمة الكتاب ] ( حيل 1 ) ومسلم ( إمارة 155 ) وأبو داود ( طلاق 11 ) والنسائي ( طهارة 59 ) ( طلاق 24 ) ( إيمان 19 ) وابن ماجة ( زهد 26 ) .
( 2 ) أخرجه مسلم ( بر 32 ) وابن ماجة ( زهد 9 ) وأحمد بن حنبل ( 2 ، 28 ، 539 ) .