عثمان اجتاز بسكة ) أي زقاق ( وقت الهاجرة ) أي شدة الحر ( فألقي عليه من سطح طست رماد فتغير أصحابه وبسطوا ألسنتهم في الملقى ) للرماد ( فقال ) لهم ( أبو عثمان :
لا تقولوا شيئا من استحق ) عند نفسه ( أن يصب عليه النار فصولح على الرماد لم يجز له ) يعني لم يلق به ( أن يغضب ) وأنا عند نفسي استحق النار ، فإذا صولحت بالرماد كان للّه الفضل عليّ ، وهذا منه بالغ في احتمال الأذى ، ( وقيل : نزل بعض الفقراء على جعفر بن حنظلة ) ضيفا ( فكان جعفر يخدمه جدا والفقير يقول ) له : ( نعم الرجل أنت لو لم تكن يهوديا فقال جعفر : عقيدتي لا تقدح فيما تحتاج إليه من الخدمة ) أي لا تمنعني من اجتهادي في خدمتك ، فإن أردت مكافأتي ( فسل لنفسك الشفاء ) من جهلك وعجلتك بالحكم على ما لا تتحققه حيث زعمت أني يهودي ( و ) سل ( لي الهداية ) أي الدلالة على الخير ، في ذلك دلالة على كمال خلقه وكان الحامل له على تحمل ما قاله الفقير حمله على جهله مع حسن ظنه به لما رأى من شمائل الخير عليه ، وفي سؤاله الهداية له ستر لما هو عليه لأنّها صالحة لكل أحد ، فهدايته تكون بحسب حاله ومقامه ، وعون ربه له .
( وقيل : كان لعبد اللّه الخياط حريف ) بفتح الحاء أي معامل ( مجوسي يخيط له ثيابا ويدفع إليه ) بدل خياطته ( دراهم زيوفا ، وكان عبد اللّه يأخذها ) منه ( فاتفق ) له ( أنّه قام من حانوته يوما لشغل ، فجاء المجوسيّ بالدراهم الزيوف ، فدفعها إلى تلميذه فلم
شرح
طريق القوم ، واعلم أنّ الرحلة رحلتان رحلة الأرواح ورحلة الأشباح ، فرحلة الأرواح انتقال من الكثافة إلى اللطافة ، ورحلة الأشباح تكون من مسافة إلى مسافة ، شعر :ألا أيها العاني برحلة جسمه * تدور على الأكوان في تيه حيرة
ترحل إلى جسم بذاتك يا فتى * فأنت هو المقصود في كلّ رحلةفإذا أنت أيها الإنسان إذا كنت جامعا لمعاني الأكوان ، فلا تحجب بك عنك بل افهم حقائق العرفان ترق لحضرة العيان ، شعر :إذا كنت كرسيا وعرشا وجنة * ونارا وأفلاكا تدور وأملاكا
وكنت من الكليّ نسخة كله * وأدركت هذا بالحقيقة إدراكا
فقيم التأني بالحضيض مثبطا * مقيما مع الأسرى أما آن إسراكا( قوله : وهذا منه بالغ في احتمال الأذى ) أي وشهود التقصير في عبادة ربه .
( قوله : لو لم تكن يهوديا الخ ) تأمل مقابلة الإحسان بغاية الإساءة ، وكل إناء بالذي فيه ينضح ، فلا حول ولا قوة إلا باللّه . ( قوله : وكان عبد اللّه يأخذها الخ ) في ذلك دلالة على شفقته على خلق اللّه وطهارة نفسه من دنس ما تهواه ، وكيف لا يكون كذلك