ضربتني سألت اللّه تعالى لك الجنة فقال ) له : ( لم ، فقال : علمت أني أوجر عليه فلم أرد أن يكون نصيبي منك الخير ونصيبك مني الشر ) هذا من حسن الأخلاق حيث أحسن لمن أساء إليه فضلا عن العفو عنه ، وهذا كما نقل عن بعضهم أنّه قيل له :
فلان اغتابك فأخذ طبقا ، وجعل فيه فاكهة ، وأهداه إليه ثم قال له : انقلبت منك بخير فكرهت أن تنقلب مني بشر ، وهذا هو الذي قصده إبراهيم . ( وحكي أنّ أبا عثمان الحيريّ دعاه إنسان إلى ضيافة فلما وافى باب داره ) دخلها الداعي في صورة من يهيء لأبي عثمان الدخول ، ثم خرج فلما وصل إليه ( قال ) له : ( يا أستاذ ليس الآن وقت دخولك وقد ندمت ) على دعائي لك في هذا الوقت ( فانصرف فرجع أبو عثمان فلما وافى منزله عاد إليه الرجل ) مرة أخرى ( وقال ) له : ( يا أستاذ ندمت ) على قولي لك ليس الآن وقت دخولك إلى آخره ( وأخذ يعتذر إليه ، وقال أحضر الساعة فقام أبو عثمان ومضى ) معه ( فلما وافى باب داره قال ) له : ( مثل ما قال في الأولى : ثم كذلك في الثالثة والرابعة ) أي قال مثل ذلك : ( وأبو عثمان ينصرف ويحضر فلما كان بعد مرات ) كما ذكر ( قال : يا أستاذ أردت اختبارك وأخذ يعتذر ويمدحه ) بأنّه حسن الخلق ( فقال ) له ( أبو عثمان : لا تمدحني على خلق تجد مثله مع ) وفي نسخة في ( الكلاب ) إذ ( الكلب إذا دعي ) إلى طعام ( حضر ، وإذا زجر انزجر ) في ذلك دلالة على كمال رؤيته الأفعال من اللّه تعالى ، فإنّه لما دعي لم يتأخر عن الإجابة لما فيها من الفضل وإدخال المسرة على قلب الداعي ، ولما رده واعتذر إليه قبل اعتذاره ، ( وقيل : إنّ أبا
شرح
النفس البشرية قد فنيت منه بسائر عاداتها فلا يتسبعد حينئذ ذلك منه .
( قوله : فقال : علمت الخ ) أي فكان محمدي الخلق حيث تخلق بالرأفة والرحمة والضمير في قوله : أوجر عليه عائد على الضرب المفهوم من قوله : ضربتني . ( قوله : ثم قال : انقلبت منك بخير ) أي لأنّه يؤجر على الغيبة منه إما بنقل سيئاته إليه أو برفع درجاته ، وقوله : فكرهت أن تنقلب مني بشر أي وهو إثم الغيبة ، والحاصل أنّه بعد أن سامحه من وقوعه فيه بالغيبة أتحفه بطبق فيه فاكهة ، وهكذا يكون من تخلق بالأخلاق المحمدية ، ومن تابع السنة المصطفوية .
( قوله : وحكي أنّ أبا عثمان الخ ) فيه تنبيه على فناء الأستاذ عن نفسه ، وعلى ما في هذا الامتحان من إساءة الأدب ، فلا حول ولا قوّة إلا باللّه ، وهذه الحكاية قد تقدمت ، وإنما أعيدت لمناسبة المقام .
( قوله : على كمال رؤيته الأفعال من اللّه تعالى ) أي على معنى أنّ الخلق محل لجريان الأحكام الإلهية لا كسب لهم فيها إلا ما خفي مما ذهب إليه الأشعري . ( قوله :
وقيل : إن أبا عثمان الخ ) فيه أنّه قد رحل عن نفسه ، وفني عنها كما هو المقصود في