مكشوفة ينظرها كل راء ببصره ، وهذه لا يعرفها ، ويتصف بها إلا العلماء الراسخون ، ( وقال الفضيل ) بن عياض : ( لأن يصحبني فاجر حسن الخلق أحب إلي من أن يصحبني عابد سئ الخلق ) لأنّ الأول عاص ، فإذا أمرته بالطاعة ، وزجرته عن المعصية كان في حسن خلقه ما يحمل ما يرد عليه مني ، ويرجع إلى الحق إذا عرفه ، والثاني حظه من عبادته الذكر وكثرة الصوم والصلاة ونحوها ، وحرصه على الدنيا ، وغضبه على ما يخالف هواه شديدان فإذا نهيته عما هو عليه من سوء الخلق في ذلك اغتر بظاهر عبادته ، ولا يقبل ما دعي إليه مما ينفعه ، وربما قبل في وقت ، وإذا خولف في آخر في بعض أغراضه ثار لقضاء شهوته وشدة غضبه ثوران الأسد ، وأقل أحواله العناد وعدم رجوعه إلى الحق وعسر السلامة معه عكس الأول ، ( وقيل :
الخلق الحسن احتمال المكروه ) الذي ينزل به ( بحسن المداراة ) بترك حظه من الدنيا لغيره ، وتحمله أذاه من غير إفراط ولا تفريط لأنّه متى أفرط في المداراة حتى وقع في المداهنة ، وقع في الضرر الأخروي ، ومتى فرط فيها وقع في الضرر الدنيويّ ، فالمداهنة تشبه المداراة من حيث كونها سياسة إلّا أنّها تكون مع التفريط في الدين ، والمداراة مع الإهمال لبعض الدنيا ، ( وحكي إن إبراهيم بن أدهم خرج إلى بعض البراري فاستقبله جندي فقال ) له : ( أين العمران فأشار إلى المقبرة ) لأنّها أول منازل الآخرة وهي التي تعمر بالأعمال الصالحة ، فظن الجندي أنّ ذلك استهزاء به ( فضرب رأسه وأوضحه ، فلما جاوزه قيل له : إنّه ) أي الذي ضربته ( إبراهيم بن أدهم زاهد خراسان فجاءه يعتذر إليه ) من جنايته عليه لكونه لم يعرفه ( فقال ) له : ( إنّك لما
شرح
جلالي صفو مرآة التجلي * جمالا جلّ عن شبه ومثل
فزاد القلب في فرحي سرورا * وحلاني به فحليت كلي( قوله : لأن يصحبني فاجر الخ ) أقول : وربما يستأنس له بقول صاحب الحكم العطائية : « رب معصية أورثت ذلا وانكسارا خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا » .
( قوله : لأنّ الأوّل عاص الخ ) محصله أنّ المعصية مع حسن الخلق ، قريب صاحبها إلى الرجوع والانقياد لغلبة انكسار نفسه بذل معصيته ، والعبادة مع سوء الخلق بعيد صاحبها من ذلك لغروره بعز طاعته لحمقه وجهله ، فلذلك أحب الأوّل دون الثاني .
( قوله : الخلق الحسن احتمال المكروه الخ ) ذلك من قبيل الاختصار على بعض المعنى لمراعاة المخاطب مثلا . ( قوله : يترك حظه في الدنيا لغيره الخ ) أي لأنّ حقيقة المداراة المطلوبة ترك بعض الدنيا لإصلاح الدين ، وحقيقة المداهنة المنهي عنها ترك بعض الدين لإصلاح الدنيا ، وقوله : من غير إفراط ولا تفريط أقول : ذلك معتبر في كل شيء كما يدل له حديث « خير الأمور أوساطها » . ( قوله : وحكي أنّ إبراهيم الخ ) يدل ذلك على أنّ