اللصوص مرة دار الشيخ أبي عبد الرحمن السلميّ ) رحمه اللّه ( بالمكابرة ) والتغلب ( وحملوا ما وجدوا ) فيها من الأموال ، ( فسمعت بعض أصحابنا يقول : سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن يقول : اجتزت ) أي مررت مرة ( بالسوق فرأيت جبتي على من يزيد ) فيها ليشتريها ( فأعرضت ) عنه ( ولم ألتفت إليه ) وفي نسخة إليها ، فعل ذلك إما سترا على سارقها ، أو لكونه كان احتسبها عند اللّه لما سرقت فكره أن يرجع فيما تركه للّه ، وكل منهما يدل على كمال زهده في الدنيا وشفقته ، وستره على الخلق ، وهو غاية في الأخلاق الحميدة . ( سمعت الشيخ أبا حاتم السجستاني يقول : سمعت أبا نصر السراج الطوسيّ يقول : سمعت الوجيهيّ يقول : قال الجريري : قدمت من مكة حرسها اللّه تعالى فبدأت بالجنيد ) أي بالسلام عليه ( لكي لا يتعنى ) أي يتعب بمجيئه ( إليّ فسلمت عليه ثم مضيت إلى المنزل ، فلما صليت الصبح في المسجد إذا أنا به خلفي في الصف فقلت ) له : ( إنما جئتك أمس لئلا تتعنى ) بمجيئك إلي ( فقال : ذاك
شرح
أن تأخذ حلالا طيبا . ( قوله : فأعرضت عنه الخ ) أي مع مسامحته السارق فيما فعله ليتم ما ذكره الشارح من الشفقة على الآخذ .
( قوله : فبدأت بالجنيد الخ ) أي وكان ممن منح بعد علم النقل علم الذوق ، فإن قلت :
ما حقيقة علم الذوق ؟ قلت : هو فوق الفوق ، وقد حده لساني بما شهده جناني شعر :الذوق لطف مع الأرواح يبرزه * معنى اللسان بما في القلب من حكمفخمرة الذوق تكسب اللطافة وتمحق الكثافة ، كؤوسها المعاني وحاناتها حضرة التداني ، ودنها العارف وندمانها المعارف ، وراووقها الصافي ، ومرافقها الموافي ، وخلاعها العقلاء وجلا سها النبلاء ، فيا من بها بان بها تقلب الأعيان ، ويمشي المقعد ، ويبصر الأعمى وينطق الأخرس ، ويرتوي من الظمأ العطشان ، شعر :ومقعد قوم قد مشى من شرابنا * وأعمى سقيناه سلافا فأبصرا
وأخرس لم ينطق ثمانين حجة * أدرنا عليه الراح يوما فأخبرا
وآخر بين الناس لا يعرفونه * سقى خمرة من خمرنا فتجبرا
وميت دعا الساقي به فأجابه * وسبح للصهباء طوعا وكبرا
فلو عاين الرهبان سرعة بعثه * لصلوا له مثل المسيح وأكثرا
فخمرتنا التقوى وعاصرها الهوى * وما عصرت في دن كسرى وقيصراتدبر تفهم واللّه أعلم .
( قوله : فقال : ذاك فضلك الخ ) أقول : وهذا قريب مما نسب لإمامنا الشافعيّ رضي اللّه تعالى عنه في شأن أحمد بن حنبل حيث قال :قالوا : يزورك أحمد وتزوره * قلت : الفضائل لا تفارق منزله