كنت محجوبة عنك ، فلو كلمتك لسمعت صوتي ، ولم ترني فتتشوّش من ذلك ( أخرج عنك هذا الوسواس ) أي حديثك نفسك بما كنت فيه مما قاسيته في البادية .
( وحكي أنّ الفرغاني كان يخرج كل سنة إلى الحج ، ويمر بنيسابور ، ولا يدخل على أبي عثمان الحيري قال : فدخلت عليه مرة وسلمت عليه ، فلم يردّ عليّ السلام فقلت في نفسي : مسلم يدخل عليه ، ويسلم عليه ، فلا يردّ سلامه ) وكان الفرغاني عاقا لأمه بحجه كل سنة نفلا بغير رضاها ، فلهذا لم يرد عليه أبو عثمان سلامه زجرا له حتى ينكف عن ذلك كما أشار إليه ، ( فقال أبو عثمان ) مكاشفة ( مثل هذا يحج ويدع أمه ) أي يتركها ( لا يبرها قال : فرجعت إلى فرغانة ) بلدي ( ولزمتها ) أي فرغانة أو أمي بالبر والخدمة ( حتى ماتت ثم قصدت أبا عثمان ، فلما دخلت ) عليه ( استقبلني وأجلسني ) عنده ( ثم أنّ الفرغاني لازمه وسأله سياسة دابته ) وخدمتها ( فولاه ذلك ) فتولاه ( حتى مات أبو عثمان رحمه اللّه ، وقال خير النساج كنت جالسا في بيتي فوقع لي ) أي مكاشفة ( أنّ الجنيد ) واقف ( بالباب فنفيت ) ذلك ( عن قلبي فوقع لي ) ذلك ( ثانيا ) فنفيته عن قلبي ( ف ) - وقع لي ( ثالثا فخرجت فإذا ) أنا ( بالجنيد فقال ) لي مكاشفة ( لم لم تخرج مع الخاطر الأوّل ) في ذلك دلالة على أنّ العارفين باللّه إذا علقوا هممهم بشيء فعله اللّه لهم بقلوبهم لأنّ الحق تعالى يغار على قلوبهم أن تشتغل بغيره ، ( وقال محمد بن الحسين البسطاميّ : دخلت على أبي عثمان المغربيّ ) بشيء فقبله وكان ممن يقبل ما يأتيه بلا سؤال ( فقلت في نفسي : لعله يشتهي عليّ شيئا ) فيسألني فيه فأفوز بقضائه ( فقال أبو عثمان ) مكاشفة ( لا يكفي الناس أن آخذ منهم حتى يريدوا مسألتي إياهم ) فيه تنبيه على أنّ السؤال شديد الكراهة ، وأن تركه أفضل لمن تيسر له ، ( وقال بعض الفقراء : كنت ببغداد فوقع لي ) في قلبي أني تمنيت ( أنّ المرتعش يأتيني بخمسة عشر درهما لأشتري بها ) آلة السفر إلى الحج ( الركوة والحبل والنعل ، وأدخل البادية قال : فدق عليّ الباب ففتح ) ه ( فإذا أنا بالمرتعش معه خريقة ) فيها دراهم ( فقال ) لي
شرح
الخ ) تأمل فضل ربك ، فهو لا يختص بذكر ولا أنثى ، وتدبر تمكن هذه العجوز حتى فاقت مثل هذا الشيخ ، ورضي اللّه تعالى عن عباده الصالحين .
( قوله : وسأله سياسة دابته الخ ) انظر قوّة هضمهم وخضوعهم في طلب مرضاة وسايطهم إلى الحق تبارك وتعالى . ( قوله : فعله اللّه لهم بقلوبهم ) أي بواسطة صفاء قلوبهم لتعلقها بربهم ، وذلك لتدوم على هذا النعت ، فلا تشتغل بغيره . ( قوله : فيه تنبيه الخ ) أي ولذا قيل :لا تسألنّ بني آدم حاجة * وسل الذي أبوابه لا تحجب