أن يبديه ) أي يظهره في الوجود ( قلنا : لا ، فقال : ابكوا على قلوب لم تجد من اللّه تعالى شيئا ) لفقدها الفراسة بفقد الاستقامة التي هي الإعراض عن الخلق ، وكمال الشغل بالحق تعالى ، فلو اتصفت القلوب بذلك عاشت من موت الغفلة ، ووجد فيها الإلهام الصحيح والخواطر الصائبة .
( وقال أبو موسى الديلميّ : سألت عبد الرحمن بن يحيى عن التوكل ) فأجاب بالحال دون المقال ( فقال : لو أدخلت يدك في فم التنين ) وهو نوع من الحيات ( حتى تبلغ الرسغ ) الذي هو محل القطع ( لا تخاف مع اللّه تعالى شيئا غيره قال : فخرجت لأبي يزيد لأسأله عن التوكل ) واسمع منه ما يقول فيه : ( فدققت عليه الباب فقال ) لي : مكاشفة ( أليس لك في قول عبد الرحمن كفاية فقلت ) له : ( افتح الباب فقال ) لي : مكاشفة ثانية ( ما زرتني ) أي ما جئتني زائرا بل سائلا قد ( أتاك الجواب من وراء الباب ، ولم يفتح لي الباب قال : فمضيت ) عنه ( ولبثت سنة ثم قصدته فقال : مكاشفة ثالثة ( مرحبا جئتني زائرا فكنت ) أي فمكثت ( عنده شهرا ) أنتفع به ( فكان لا يخطر بقلبي شيء إلا حدثني عنه ، فعند وداعه لي قلت له : أفدني فائدة فقال : حدثتني أمي أنها كانت حاملا بي فكانت إذا قدّم لها طعام من حلال امتدت يدها إليه ، وإذا كانت فيه شبهة انقبضت يدها عنه ) تضمن ذلك الفراسة في مواضع كما علم ، والحث على طلب الحلال ، فإنّه من جملة أسباب تطهير القلب ليطلعه على المغيبات ، وقد حفظ اللّه أبا يزيد عن أكل ما فيه شبهة من حين كان في بطن أمه ، فإنّ الولد يتغذى من غذاء أمه فحفظه اللّه ، وهو في بطنها . ( وقال إبراهيم الخواص : دخلت البادية ) وأنا سائر إلى مكة ( فأصابتني شدّة ) في اللّه تعالى ( فلما بلغت مكة داخلني شيء من الإعجاب ) والسرور بحالي ، وكوني قدرت على ما قاسيته من الشدّة في البادية في اللّه ( فنادتني عجوز يا إبراهيم كنت معك في البادية ) وقاسيت كما قاسيت ، ولم يداخلني شيء من الإعجاب ( فلم أكلمك لأني لم أرد أن أشغل سرك ) بسماع كلامي لأني
شرح
ذلك من الأخلاق الحميدة بذكر ثمرة الفراسة ليحمل السامعين على الجد في المعاملة .
( قوله : فقال : لو أدخلت يدك الخ ) أقول : ينشأ هذا من غلبة الخوف على قلب العبد حتى إذا استولى عليه لم يخف غيره تعالى نعم قد يخاف التسليط على أنّه يرجع إلى الخوف منه جل جلاله . ( قوله : بل سائلا ) أي مع تقدم الجواب عن غيري ، وهو شاف .
( قوله : فقال حدثتني أمي الخ ) مراده بيان كرامة أكرمه اللّه تعالى بها من زمن اجتنانه وهي الاقتصار على الحلال الذي هو من أسباب تنوير القلوب ، والتحلي بالتمكن في كامل المقامات ليحمل السامع على مثل هذا الخلق ليصل إلى المقصود . ( قوله : فنادتني عجوز