الدعاء وانتفع به ( فلم أجده ) ، في ذلك دلالة على أنّ أبا الخير كوشف بحال الفقير ، وأنّه كان يتمنى التفاح وليس هو ببلده ، فلما وجد أبا الحسين مسافرا لتلك الجهة حمله التفاحتين أمانة لكنه لم يبين له المقصود منهما حتى يتبينه هو بنفسه ، ويعرف صدق همة أبي الخير في الإرسال وأنّه كان إذا أدخل يده في جيبه ليأكل منهما أكل غيرهما ، وبقيتا معه أمانة . ( سمعت محمد بن الحسين رحمه اللّه يقول : سمعت عبد اللّه بن علي يقول : سمعت أبا عمر بن علوان يقول : كان شاب يصحب الجنيد ، وكان يتكلم على خواطر الناس فذكر ) ذلك ( للجنيد فقال له الجنيد : أيش هذا الذي ذكر عنك فقال للجنيد : أعتقد ) أي اضمر في قلبك ( شيئا ) لتعرف به ذلك ( فقال ) له :
( اعتقدت فقال ) له : ( الشاب : اعتقدت كذا وكذا فقال ) له ( الجنيد : لا فقال ) له الشاب : اعتقد شيئا ( ثانيا ففعل فقال : اعتقدت كذا وكذا فقال ) له الشاب : ( ثالثا فقال : مثله ) أي كل منهما قال مثل ما قال أوّلا وثانيا ( فقال ) له ( الشاب : هذا عجب أنت صدوق وأنا أعرف قلبي ) وما فيه ( فقال ) له ( الجنيد : صدقت في الأوّل والثاني والثالث ، ولكني أردت أن أمتحنك هل يتغير قلبك ) أو لا فوجدته لم يتغير ، وقوله :
لا في كل مرة ليس بكذب ، وإنما هو تعريض ، ومعناه لا يكفيني ذلك في الامتحان ، ومحل الاستدلال على الفراسة اطلاع الشاب على ما أضمره الجنيد ثلاث مرات ، وتصديق الجنيد له على ما قال ، ( وسمعته ) أيضا ( يقول : سمعت أبا عبد اللّه الرازي يقول : اعتل ابن الرقي ) أي مرض ( فحمل إليه دواء في قدح فأخذه ، ثم قال : وقع اليوم في المملكة حدث ) أي أمر عظيم واللّه ( لا آكل ولا أشرب ) الدواء ( حتى أعلم ما هو ) أي الحدث ( فورد الخبر بعده بأيام أنّ القرمطي دخل مكة في ذلك اليوم ، وقتل بها تلك المقتلة العظيمة . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلميّ رحمه اللّه يقول :
سمعت أبا عثمان المغربي يقول : ذكر لابن الكاتب هذه الحكاية فقال : هذا عجب فقلت : هذا ليس بعجب فقال لي أبو علي بن الكاتب : أيش خبر مكة حرمها اللّه تعالى اليوم فقلت : هو ذا تحارب الطلحيون ) أي بنو طلحة ( وبنو الحسن ومقدّم الطلحيين ) رجل ( أسود عليه عمامة حمراء ، وعلى مكة اليوم غيم على مقدار الحرم فكتب أبو علي ) بن الكاتب ( إلى مكة فكان ) الأمر ( كما ذكرت له ) ، في ذلك مكاشفتان إحداهما لابن الرقي ، والأخرى لأبي عثمان المغربي . ( ويروى عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه قال : دخلت على عثمان بن عفان رضي اللّه عنه وكنت
شرح
حفظه عن مثله . ( قوله : فورد الخبر الخ ) فيه دلالة على ثبوت كرامته نفعنا اللّه به .
( قوله : قال : دخلت على عثمان الخ ) هو غير بعيد كيف وهو ذو النطاقين