خفية ) فلا تنظر لظاهر الحال فقد تكون نعم اللّه على بعض عبيده في قلوبهم وإن كانت خفية عن الخلق أعظم من نعمه الظاهرة ، ( ويحكى عن الزبيدي قال : كنت في مسجد ببغداد مع جماعة من الفقراء فلم يفتح علينا بشيء أياما ، فأتيت الخواص لأسأله شيئا ، فلما وقع بصره عليّ قال : الحاجة التي جئت لأجلها يعلمها اللّه أم لا ؟
فقلت : بلى ) يعلمها ( فقال : اسكت ولا تبديها ) أي تظهرها ( لمخلوق ، فرجعت ولم ألبث إلا قليلا حتى فتح علينا بما فوق الكفاية ) ، فيه طلب السعي فيما يقوي اللّه به اليقين . ( وقيل : كان سهل بن عبد اللّه يوما في الجامع فوقع حمام في المسجد من شدّة ما لحقه من الحر والمشقة فقال سهل : إن شاها الكرماني مات الساعة إن شاء اللّه ، فكتبوا ذلك فكان ) الأمر ( كما قال : ) وذلك لأنّ وقوع الطائر في المسجد من شدّة الحرّ خلاف عادته في كل زمن ، فلما رآه سهل وقع في نفسه إنّ شاها الكرماني الذي هو حمام مسجد بلده لكثرة ملازمته المسجد مات . ( وقيل : خرج ) الشيخ ( أبو عبد اللّه التروغنذي ) نسبة إلى تروغنذ بالغين والذال المعجمتين ( وكان كبير الوقت إلى طوس ، فلما بلغ خرو قال لصاحبه : ) وهو تلميذه ( اشتر ) لنا ( الخبز فاشترى ما يكفيهما فقال : اشتر أكثر من ذلك فاشترى صاحبه ما يكفي عشرة أنفس تعمدا ) أي قصدا ( فكأنّه لم يجعل لقول ذلك الشيخ تحقيقا ) أي وقعا ( قال : فلما صعدنا إلى الجبل إذا بجماعة قيدتهم اللصوص لم يأكلوا منذ مدّة ، فسألونا الطعام فقال لي : قدم إليهم السفرة ) فقدمتها إليهم فيه تنبيه على اطلاع الشيخ على أحوال هؤلاء المقيدين ، وكونهم جياعا ، فأمر بتكثير شراء الخبز ، فهذه فراسة . ( قال الأستاذ الإمام ) المملي رحمه اللّه : ( كنت بين يدي الأستاذ الإمام أبي علي ) الدقاق ( رحمه اللّه يوما ، فجرى حديث الشيخ أبي عبد الرحمن السلمي رحمه اللّه وأنّه يقوم في السماع موافقة للفقراء فقال الأستاذ أبو علي : مثله في حاله ) ومقامه يفعل هذا ( لعل السكون أولى ) وأليق ( به ثم قال في ذلك المجلس : امض إليه فستجده وهو قاعد في بيت كتبه ، وعلى وجه الكتب مجلدة ) بتشديد اللام ( حمراء مربعة صغيرة فيها أشعار الحسين بن منصور ،
شرح
هي النعم في الحقيقة لأن ما يفاض على القلوب قد يعجز العبد عن التعبير عنه . ( قوله :
يعلمها اللّه أم لا ) أقول : دعاه إلى ذلك الترديد حكم الإرشاد وإلا فالأدب واللائق تركه .
( قوله : وقيل : كان سهل الخ ) ظاهر ذلك أنه من الفراسة العادية الناشئة عن تحكيم القرائن مع أنه للكرامة أقرب كما هو ظاهر . ( قوله : فهذه فراسة ) أي وهي من نوع الكرامة .
( قوله : لعل السكون أولى به ) أي كما هو شأن الكمل من العبيد قال تعالى :وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ[ النمل : 88 ] . ( قوله : فاحمل تلك المجلدة الخ ) لعله