الرازي نزيل نيسابور قال : كساني ابن الأنباري صوفا ، ورأيت على رأس ) شيخي ( الشبلي قلنسوة ظريفة تليق بذلك الصوف ، فتمنيت في نفسي أن يكونا جميعا لي ، فلما قام الشبلي من مجلسه التفت إليّ ) أي اتبعني ( فتبعته وكان عادته ) أنه ( إذا أراد أن أتبعه يلتفت ) وفي نسخة التفت ( إليّ ، فلما دخل داره دخلت ) معه ( فقال لي : انزع الصوف فنزعته فلفه وطرح القلنسوة عليه ، ودعا بنار فأحرقهما ) بها اقتداء بموسى عليه السلام في تحريقه ما كان فتنة لبني إسرائيل في دينهم ، وبسليمان عليه السلام فيما فعله بالخيل ، فإنها لما شغلته عن عبادته حتى توارت الشمس بالحجاب ، فقال :
ردّوها علي ، فطفق مسبحا بالسوق والأعناق ، وروي أنّ أحمد بن أبي الحواري غرق كتبه في البحر ، وقال : إنما أردتك لمعرفة اللّه تعالى ، وإذا عرفته فلا حاجة لي بك ، وروي أنّ أحمد بن حنبل دفن كتبه ، واحتملت هذه الأفعال وإن كان فيها إضاعة مال ، وهي منهي عنها في شريعتنا لأنّ محل النهي عنها إذا كانت لغير التداوي لا للتداوي لا سيما الأمراض الدينية كما هنا إذ فيه قطع النفس عن شهوات مضرة في الدين ، ( وقال أبو حفص النيسابوري : ليس لأحد أنّ يدعي الفراسة ، ولكن يتقي الفراسة من الغير لأنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « اتقوا فراسة المؤمن » ولم يقل تفرسوا ، فكيف يصح دعوى الفراسة لمن ) أي ممن ( هو في محل اتقاء الفراسة ) يعني ليس لأحد أن يدعيها كاذبا وإلا فلو منّ اللّه عليه بها كان له دعواها وذكرها لمن ينتفع بها ، وقد نقل أن الجنيد وغيره بلغهم عمن اشتهر بالفراسة ، فقصدوه وامتحنوه ووجدوه كما قيل وقد تقدمت قضية الأنطاكي الذي أتى من الجبل ومعه شيء يبيعه مع من جاءه واختبره وأما أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « اتقوا فراسة المؤمن » ولم يقل : تفرسوا فلأن الفراسة غير مكتسبة كما مر فلا تطلب ، ( وقال أبو العباس ابن مسروق : دخلت على شيخ ) مريض ( من أصحابنا أعوده ، فوجدته على حالة رثة ، فقلت في نفسي : من أين يرتقي هذا الشيخ : فقال لي : يا أبا العباس دع عنك هذه الخواطر الدنيئة ، فإن للّه تعالى ألطافا
شرح
فأحرقهما بها ) أقول : لما كان الشيخ من أطباء القلوب وشأن الطبيب أن يعالج كل مريض بما يصلح له قد ساغ له مثل هذا الإحراق . ( قوله : ليس لأحد أن يدعي الفراسة ) أي ولا غيرها من باقي المقامات إذ الدعوى من مطفئات النور ولو كانت بحق ، فدعوة المرء تطفئ بهجته ولو بحق ، فكيف المدعي زللا فالكمال كله في التبري من الحول والقوّة بشهود المنعم دون النعم . ( قوله : وذكرها لمن ينتفع بها ) أي أو للتحدث بالنعمة إذا اقتضاه الحال ، وأمن على نفسه من الاغترار . ( قوله : غير مكتسبة ) أي لكونها من غير مقدورات العبد إذ هي خواطر ربانية وهذا ظاهر في الفراسة الإلهية أما العادية الناشئة عن تحكيم القرائن فلا يظهر فيها ذلك . ( قوله : فقد تكون نعم اللّه الخ ) بل لك أن تقول : إنها