الإيمان ) كما عرف ( والذين هم أكبر منه ) أي من المتوسم ( حظا الربانيون ) المنسوبون إلى الرب تعالى بمعاملتهم له ، وهم الذين ( قال اللّه تعالى ) فيهم
وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ
[ آل عمران : 79 ] يعني علماء حكماء متخلقين بأخلاق الحق نظرا في مصالح العباد ( وخلقا ) بالاتصاف بالصفات الجميلة كالكرم والحلم والعفو ( وهم فارغون عن الأخبار عن الخلق ، والنظر إليهم والاشتغال بهم ) لاشتغالهم بربهم ، ( وقيل : كان أبو القاسم المنادي ) سمي مناديا لما يأتي ( مريضا وكان كبير الشأن من مشايخ نيسابور فعاده أبو الحسن البوشنجي ، والحسن الحداد واشتريا بنصف درهم تفاحا في الطريق نسيئة ، وحملاه إليه ) لكون المريض يجد بذلك راحة ( فلما قعد قال أبو القاسم : ) وقد رأى عليهما ظلمة ( ما هذه الظلمة ) التي عليكما ( فخرجا وقالا : أيش فعلنا وتفكرا فقالا : لعلنا ) أصبنا بذلك لكوننا ( لم نؤد ثمن التفاح ) بائعه ( فأعطياه الثمن وعادا إليه ) أي إلى أبي القاسم ( فلما وقع بصره عليهما قال : هذا عجب يمكن الإنسان أن يخرج من الظلمة بهذه السرعة أخبراني عن شأنكما فذكرا له القصة ) أي قصة شراء التفاح نسيئة وكيفية القضاء ( فقال : نعم ) أي صدقتما ( كان يعتمد ) أي يتكل ( كل واحد منكما على صاحبه في إعطاء الثمن ) فيتأخر قضاء حق الرجل فيتضرر ( والرجل يستحي منكما في التقاضي فكان ) أي الشأن ( تبقى التبعة ) عليهما ( وأنا السبب ) في شرائكما منه نسيئة فأنا ( إنما رأيت ذلك فيكما ) في ذلك فضيلة للثلاثة ، فإنّه كاشفهما ، وهما تفطنا لوجه الظلمة ثم تخلصا منها . ( وكان أبو القاسم المنادي هذا يدخل السوق كل يوم ينادي ) أي يدلل على الأمتعة ( فإذا وقع بيده ما فيه كفايته من دانق ) ذهبا ( إلى نصف درهم ) فضة ( خرج منه ، وعاد إلى رأس وقته ) ومراعاته ( ومراعاة قلبه ) فيه دلالة على أنّ مراعاة وقته وقلبه أهم أموره ، وأنه إنما يرجع إلى كسبه لدفع ضرورته ، وأن
شرح
( قوله : أي من المتوسم ) لعل الأولى أن يقول : أي من المتفرس إلا أن يقال : هو بمعناه . ( قوله : المنسوبون إلى الرب ) إن قلت : الكل منسوب إليه تعالى ، قلت : لهم زيادة تمكين فافهم . ( قوله : يعني علماء حكماء الخ ) أي علماء بعلم النقل والذوق ، وقوله : حكماء من الحكمة التي هي تحقيق العلم ، وإتقان العمل ، وقوله : متخلقين بأخلاق اللّه أي قائمين بما أمروا به ، ونهوا عنه لا تلحقهم فترة ، ولا غفلة لا بالنسبة للخالق ، ولا بالنسبة للمخلوق ، وقوله : وخلقا أي باستجماع صفات الكمال ، وقوله :
وهم فارغون الخ أي لاشتغالهم به تعالى لا يلتفتون إلى ما سواه . ( قوله : وهم فارغون عن الأخبار عن الخلق الخ ) أي عن الأخبار التي مرجعها النفس ، وعن الاشتغال بهم كذلك ، فلا ينافي التفاتهم إليهم بوجه الحق . ( قوله : كان أبو القاسم الخ ) أقول : وإن كانت الفراسة نوعا من الكرامة إلا أنّ هذه القصة لحقيقة الكرامة أقرب . ( قوله : سمي