لكنها لا تتمحض له إذ لا بدّ فيها من إشراق ونور ( وقال أبو سعيد الخراز : المستنبط ) المشار إليه في الآية الآتية ( من يلاحظ الغيب أبدا ولا يغيب عنه ولا يخفى عليه شيء ) مما ألهمه اللّه له وهو الذي دل عليه قوله تعالى :
لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ
[ النساء : 83 ] والمتسوم المذكور في الآية الآتية ( هو الذي يعرف الوسم ) أي العلامة ( وهو العارف بما في سويداء القلوب ) أي حبتها ( بالاستدلال والعلامات قال اللّه تعالى :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ
[ النساء : 83 ] أي العارفين بالعلامات التي يبديها أي يظهرها اللّه ( على الفريقين من أوليائه وأعدائه ، والمتفرس ينظر بنور اللّه تعالى ، وذلك سواطع أنوار لمعت في قلبه فأدرك بها المعاني وهو ) أي نور اللّه ( من خواص
شرح
خبير بأنّ المستنبط والمتوسم والمتفرس لا بدّ لكل منهم من مدد نور الحق وإن استند علم كل في ظاهر الحال إلى استدلال وعلامات ، غير أنّ المتفرس قد لا يكون له مستندا إلّا نور الحق تعالى .
( قوله : وهو الذي دل عليه قوله تعالى :لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) أي يستكشفونه من كبار الصحابة الخبراء العلماء بالتجاريب ، وشرائط الوعد والوعيد المأخوذ ذلك من أخباره صلى اللّه عليه وسلم الصادرة بالوحي كوعد بالظفر ، أو تخويف من الكفرة ، والسبب في الآية الشريفة أنّ ناسا من ضعفة المسلمين الذين لا خبرة لهم بالأحوال كانوا إذا أخبرهم الرسول صلى اللّه عليه وسلم بما أوحي إليه من وعد الظفر بالعدوّ ، أو تخويف منه يذيعونه ويفشونه من غير فهم لمعناه ، ولا ضبط لفحواه على حسب ما كانوا يفهمونه ويحملونه عليه من المحامل وعلى تقدير الفهم منهم قد يكون مشروطا بأمور تفوت بالإذاعة ، فلا يظهر أثره المتوقع فيكون ذلك منشأ الاختلاف المتوهم ، فقيل لهم : ولا ردّوه ، أي الأمر الذي جاءهم إلى الرسول أي عرضوه عليه مستكشفين لمعناه وإلى أولي الأمر منهم مثل كبار الصحابة البصراء في الأمورلَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ، فالمراد بالمستنبطين الرادّون ، وضمير منهم لكبار الصحابة ، والحاصل أنّ الغرض بيان جناية تلك الطائفة ، وسوء تدبيرهم أثر بيان جناية المنافقين ، ومكرهم ، وإرشادهم إلى وجه الصواب في مثل هذه الأمور .
( قوله : وهو العارف الخ ) أي وعرفانه بواسطة تمكنه من المقام ، وبعد قلبه عن الأسقام ، فهو حينئذ لا يخفى عليه الحق حيث هو فلا يعول إلا على الصدق .
( قوله : وذلك ) أي المذكور من نور اللّه هو سواطع أنوار أي أنوار ساطعة أي أضاءت بإشراقها في قلبه ، فاطلع بسببها على المعاني الغائبة التي هي من أحكام ضمائر الخلق ، ولا يخفى ما في التعبير بالسطوع في جانب الأنوار من الإشارة إلى قوّة تأثيرها في القلب .