محمد بن كثير الكوفي قال : حدثنا عمرو بن قيس عن عطية عن أبي سعيد الخدريّ قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور اللّه عزّ وجلّ » « 1 » والفراسة خاطر يهجم على القلب ) بصدق يفيد العلم ( فينفي ما يضادّه ) من ظن وشك ووهم ( وله على القلب حكم ) وقهر ( اشتقاقا ) أي أخذا ( من فريسة السبع ) يقال : فرس الأسد بفتح الراء فريسته ، وافترسها أي دق عنقها ( وليس في مقابلة الفراسة ) لكونها تفيد العلم بخلق اللّه كما علم ( مجوزات للنفس ) أي احتمالات من ظن وغيره كما علم ( وهي ) أي الفراسة أي قوتها ( على حسب قوّة الإيمان ) بتواليه على قلب العبد ، وكثرة ذكره له ، وغلبته على قلبه حتى صار حالا له ، وذلك يحصل بصغر الدنيا في عينه ، وغلبة ذكر الجنة ، والنار ، والحساب ، والعرش وأمر اللّه ونهيه ، ووعده ووعيده ونحوها .
( فكل من كان أقوى إيمانا كان أحدّ فراسة ) فإذا وصل العبد إلى تلك الحالة كان إيمانه قويا ، وقلبه هو الذي نسخ فيه الخواطر الصحيحة المعبر عنها بالفراسة ، وبالإلهام ، وبالمكاشفة ، ( وقال أبو سعيد الخرّاز : من نظر بنور الفراسة نظر بنور
شرح
لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ[ الحجر : 75 ] أي إن فيما ذكر من القصة ، لآيات : لعلامات يستدل بها على حقيقة الحق ، للمتوسمين أي المتفكرين المتفرسين الذين يثبتون في نظرهم حتى يعرفوا حقيقة الشيء على ما هو عليه . ( قوله : « اتقوا فراسة المؤمن » ) أي احذروها ، وهي بكسر الفاء من التفرس ، وهي ملكة في النفس ينشأ عنها قوّة عين البصيرة فيدرك بها العبد ما خفي وهي لا تخطىء أصلا . ( قوله : والفراسة خاطر الخ ) مراده الفراسة المذكورة في الخبر . ( قوله : يفيد العلم ) أي جزم القلب بالشيء الذي تفرسه . ( قوله : من ظن وشك ووهم ) الأوّل هو إدراك الطرف الراجح ، والثاني إدراك الطرفين على السواء ، والثالث إدراك الطرف المرجوح .
( قوله : وله على القلب حكم الخ ) أي بسبب غلبته على القلب بدون اختيار ( قوله :
اشتقاقا ) أي اشتقت اشتقاقا ، وأخذت أخذا من فريسة السبع ، فهو مصدر لفعل محذوف .
( قوله : وليس في مقابلة الفراسة الخ ) توضيح لما قبله من قوله : وله على القلب حكم .
( قوله : مجوزات ) هو بصيغة المفعول أي أشياء تجوزها النفس وقوله : من ظن ، وغيره بيان لتلك الأشياء . ( قوله : وذلك يحصل الخ ) بيان للسبب في قوّة الإيمان التي هي سبب في قوّة الفراسة . ( قوله : فكل من كان أقوى إيمانا الخ ) أي وقوّة الإيمان بسبب كثرة طوارق علوم الأدلة النقلية والعقلية على القلب والتأمل فيها . ( قوله : المعبر عنها بالفراسة
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي ( تفسير سورة 15 ، 6 ) .