اغتسل بالماء البارد فقيل له : خاطرت بروحك ) باغتسالك في هذا البرد بالماء البارد ( فقال : استحييت من اللّه تعالى أن أصبر على ضرب ألف سوط لأجل ) فوات منفعة تحصل لي من ( مخلوق ) وهي خدمة هذا الخادم ( ولا أصبر على مقاساة برد الاغتسال لأجله ) تعالى ولأجل القيام بطاعته رجاء فضله ورحمته ، في ذلك من الفتوة أنّه آثر ما ينبغي إيثاره ، وترك حفظ نفسه من المخاطرة بروحه بما فعله ، ( وقيل : قدم جماعة من الفتيان لزيارة واحد يدعي الفتوة فقال الرجل ) المزور لغلامه ، ( يا غلام قدم السفرة ) للجماعة ( فلم يقدم فقال له الرجل ذلك ثانيا وثالثا فنظر بعضهم إلى بعض فقالوا : ليس من الفتوة ) والمروءة ( أن يستخدم الرجل من يتعاصى عليه في تقديم السفرة كل هذا ) التعاصي إذ من أخلاق الخادم أن يبادر لما لم يؤمر به من الخير فكيف لما أمر به ؟ ( فقال الرجل ) لغلامه : ( لم أبطأت بالسفرة ) أي بتقديمها ( فقال الغلام : كان عليها نمل فلم يكن من الأدب تقديم السفرة إلى الفتيان مع ) وجود ( النمل ) فيها ( ولم يكن من الفتوة إلقاء النمل من السفرة فلبثت حتى دب النمل ) منها ( فقالوا له ) لما اطلعوا على باطن أمره : ( دققت يا غلام ) في الفتوة والأدب ( مثلك من يخدم الفتيان ) في ذلك من الفتوة أنّ الخادم لا ينبغي له أن يتعاصى أو يتخلف عما أمر به في حق المكرمين لكونه يشوش عليهم ، وأن لا يحضر السفرة والنمل عليها ، وأن لا يزعج النمل بالقتل والرمي ، ( وقيل : إنّ رجلا نام بالمدينة المشرفة من الحاج فتوهم أنّ هميانه ) أي كيسه ( سرق فخرج فرأى جعفر الصادق ) وهو لا يعرفه ( فتعلق به وقال له : أنت أخذت همياني فقال له : أيش كان فيه ؟ فقال : ألف دينار فأدخله داره ووزن له ألف دينار فرجع الرجل إلى منزله ودخل بيته فرأى هميانه في بيته ، وكان قد توهم أنّه ) حمله معه على عادته من حرصه عليه وأنّه ( سرق ) منه ( فخرج إلى جعفر معتذرا ) مستغفرا مما جرى منه ( ورد عليه الدنانير فأبى أن يقبلها وقال : شيء أخرجته من يدي ) للّه تعالى ( لا أسترده فقال الرجل ، من هذا فقيل : جعفر ) بن محمد ( الصادق ) ، في ذلك دلالة على كرم جعفر الصادق وحفظه لمروءته وصيانته لعرضه ،
شرح
( قوله : فقال : استحييت من اللّه الخ ) أقول : لعله ظن السلامة وإلا فإلقاء النفس في الهلكة غير جائز شرعا . ( قوله : فقال الرجل المزور الخ ) تأمل أخلاق الخدم والمخدومين تعلم أنّهم كانوا محبين ومحبوبين ، وتدبر تأثر الخادم بأخلاق المخدوم يظهر لك أنّك وخادمك في غاية الذم والشؤم .
( قوله : في ذلك دلالة على كرم جعفر الخ ) كيف لا يكون كذلك ، وهو ممن أذهب اللّه عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا .