من الفتوة وهو ) أي ما ذكر من الفتوة ( الإعراض عن الكونين ) أي الدنيا والآخرة ( والأنفة ) أي الاستنكاف ( منهما بأن يعمل العبد فلا يكون له حظ سوى موافقة مولاه ، والعمل بما يرضاه ، ( وقال محمد بن علي الترمذي : الفتوة أن يستوي عندك المقيم ) عندك ( والطارىء ) عليك في عدم التكلف وسرعة الإكرام ، وهذا يخف في حال الطارىء عند أكثر الناس ، فإذا طالت إقامته عندهم وتكلفوا له استثقل ، ولذلك كانت الضيافة ثلاثة أيام ، فمن كملت فتوته استوى إكرامه للطارىء عليه ، ومن طالت إقامته عنده وذلك لكمال خلقه ، وهوان الدنيا عليه . ( سمعت محمد بن حنبل يقول :
سمعت أبا سهل بن زياد يقول : سمعت عبد اللّه بن أحمد بن حنبل يقول : سئل أبي ما الفتوة فقال : ترك ما تهوى ) أي تشتهي ( لما تخشى ) عواقبه ، ( وقيل لبعضهم : ما الفتوة ؟ فقال : أن لا يميز ) العبد ( بين أن يأكل عنده وليّ أو كافر . سمعت بعض العلماء يقول : استضاف مجوسي إبراهيم الخليل عليه السلام ) أي طلب من إبراهيم أن يضيفه ( فقال ) : أضيفك ( بشرط أن تسلم فمر المجوسي ) أي جاوزه ولم يطعه ( فأوحى اللّه تعالى إليه نحن منذ خمسين سنة نطعمه ) وهو مستمر ( على كفره فلو ناولته لقمة من غير أن تطالبه بتغيير دينه ) لكان خيرا لك ( فمضى إبراهيم عليه السلام على أثره حتى أدركه واعتذر إليه فسأله عن السبب ، فذكر له ذلك ) فانشرح صدره به ، ( فأسلم المجوسي ) في ذلك تنبيه على حقارة الدنيا عند اللّه وقد حصل لإبراهيم عليه السلام ما طلبه من المجوسيّ وإجراء الحق على يديه ، ( وقال الجنيد : الفتوة كف
شرح
الخ ) قاله مراعاة لحال المخاطب وإلا فما ذكر قبله أبلغ منه . ( قوله : الإعراض عن الكونين ) أي لأن من علت همته وارتفعت منزلته بسابق العناية الإلهية لا يلتفت إلى شيء من الآثار بسبب فنائه في المؤثر ، فلا شهود له لغيره ، وذلك أعلى درجات الفتوة وأشرف منازلها . ( قوله : بأن يعمل العبد فلا يكون له حظ الخ ) أي فيكون عمله للمحبة والإجلال لا غير . ( قوله : وهذا يخف الخ ) أقول : لعله باعتبار أكثر ناس زمانه ، وإلا فناس هذا الزمان لا يوجد ذلك فيهم إلا بالنسبة للنادر منهم ، فإنا للّه وإنا إليه راجعون .
( قوله : ولذلك كانت الضيافة ثلاثة أيام ) أي اعتبارا بغالب الأخلاق فلم تزد عن ذلك خشية الملل . ( قوله فقال : ترك ما تهوى الخ ) هو وإن كان بليغا إلا أنّ ما تقدّم عن النصر أباذي أبلغ منه فكل قد تكلم بحسب شربه . ( قوله : لما تخشى عواقبه ) أي ولما ترجوه مما أعده اللّه تعالى لمن كان كذلك . ( قوله : فقال : أن لا يميز الخ ) أي وذلك لفنائه في مرضاة ربه وسيده لمزيد محبته ، وهذا لا ينافي فضل أكل الولي وأقل مؤمن على أكل الكافر الذمي . ( قوله : استضاف مجوسي الخ ) تقدمت هذه القصة ، وإنما أعادها لمناسبة المقام .