عن النفس في هذا المقام غاية الفتوة . ( سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلميّ رحمه اللّه يقول : سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أبا جعفر الفرغاني يقول :
سمعت الجنيد يقول : الفتوة ) محلها ( بالشام واللسان ) أي حسن النطق به محله ( بخراسان ) هذا جرى على الغالب من أهل كل إقليم من هذه الأقاليم ، ( وسمعته ) أيضا ( يقول : سمعت عبد اللّه بن محمد الرازي يقول : سمعت محمد بن نصر بن منصور الصائغ يقول : سمعت محمد بن مردويه الصائغ يقول : سمعت الفضيل يقول : الفتوة الصفح عن عثرات الإخوان ) أي زلاتهم ، هذا ونظيره مما يأتي بعض الفتوة . ( وقيل : الفتوة أن لا ترى لنفسك فضلا على غيرك ) وإن عرفت فضلك ظاهرا لخفاء باطنه وخفاء العاقبة عليك لجواز التبديل والتغيير ، ( وقال أبو بكر الوراق : الفتى من لا خصم له ) لكمال أخلاقه الحميدة ، وبعده عن الذميمة ، وذلك بأن يزهد في الدنيا مالا وجاها ، فلا يخاصم غيره وإن خاصمه غيره أعرض عنه ، ( وقال محمد بن عليّ الترمذي : الفتوة أن تكون خصما لربك ) أي لأجله ( على نفسك ) بأن تمنعها من الميل إلى الشهوات والكسل والبطالات وتحثها على الاستقامة على الطاعات لا للخوف والرجاء بل لكمال المحبة والتلذذ بالمناجات ، ( ويقال : الفتى من لا يكون خصما لأحد ) هو بمعنى ما مرّ عن الوراق . ( سمعت الأستاذ أبا عليّ الدقاق رحمه اللّه يقول : سمعت النصر أباذي يقول : سمي أصحاب الكهف فتية لأنهم آمنوا بربهم بلا
شرح
كل خلق لا يكون إلا له صلى اللّه عليه وسلم . ( قوله : غاية الفتوّة ) أي والسبب في ذلك فناء العبد عن نفسه طلبا لمرضاة ربه . ( قوله : هذا جرى على الغالب الخ ) أي وإلا فقد توجد الفتوّة في غير الشام وحسن النطق في غير العراق ، والصدق في غير خراسان لكنه من المعلوم أنّ الحكم للغالب . ( قوله : بعض الفتوّة ) أي حينئذ فالاقتصار عليه للإئتمام به ، ومثله يقال في غيره من قول من لم يستوف حقيقتها . ( قوله : لخفاء باطنه ) أي من القبول أو غيره ككونه من المدخول والمعلول بوجه خفي غير ظاهر . ( قوله : الفتى من لا خصم له ) أي لقوّة فنائه عن حظوظه ، فسبب خصومته غير موجود لأن الخصومة لا تتحقق إلا لمن زاحم غيره على محبوب له فمن زهد في الدنيا مالا وجاها لا خصم له فيها ، بل ولا خصم له في الآخرة أيضا كما لا يخفى . ( قوله : أن تكون خصما لربك ) أقول : هو أبلغ مما قبله إذ من كان كذلك لم يكن له خصم ، ويزيد بمخاصمة نفسه ، وحثها على طرق الإستقامة . ( قوله : سمي أصحاب الكهف فتية ) أي سماهم اللّه تعالى بهذا الاسم لأنهم آمنوا بربهم بلا واسطة رسول أو ملك ؛ بل كان إيمانهم بالفطرة لسابق عناية اللّه بهم .
( قوله : الفتى من كسر الصنم ) الصنم : هو الصورة من حجر أو غيره تتخذ لتعبد من دون اللّه . ( قوله : سمعنا فتى يذكرهم ) أي يعيبهم ، فلعله فعل ذلك بها ، فقوله : يذكرهم