باب الفتوة
هي كما سيأتي أن تكون ساعيا في أمر غيرك ، ويقال هي : أن لا تشهد لك
شرح
باب الفتوة هي إيثار الغير على النفس ، وهي مختلفة قوّة وضعفا ، فأدناها الإيثار بالجاه والمال وأعلاها الإيثار بالنفس زيادة عن المال ، وهي إنما تنشأ من كمال المروءة ، وطهارة النفس من الشهوة الحيوانية ، ومثل هذا في زماننا صار كالحديث المفترى كيف لا وقد ثبت قول بعضهم في سالف الأزمان شعرا :مررت على المروءة وهي تبكي * فقلت : على م تنتحب الفتاة
فقالت : كيف لا أبكي وأهلي * جميعا دون خلق اللّه ماتواهذا ويدل على الفتوّة قوله جل شأنهيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً[ المجادلة : 12 ] أي فتصدّقوا قبلها مستعار ممن له يدان ، وفي هذا الأمر تعظيم للرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وانتفاع الفقراء والزجر عن الإفراط في السؤال ، والتمييز بين المخلص والمنافق ومحب الآخرة ومحب الدنيا ، واختلف في الأمر ، فقيل للندب ، وقيل للوجوب لكنه نسخ بقوله تعالى :أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ[ المجادلة : 13 ] لأنه وإن اتصل به تلاوة لكنه متراخ عنه نزولا ، ولسان حاله يقول : إذا رسمنا هذا مع عبدنا الذي جعلناه دليلا علينا وهاديا إلى جمالنا ومرشدا لخطاب حضرتنا ، فكيف يكون الأمر في جنابنا ، فنحن أولى وأحرى ، فلا بدّ حينئذ من تقديم البذل ، ثم أقول بذل العوام لما به قيام الأشباح ، وبذل الخواص للمهج والأرواح ، فافهم وربي أعلم . ( قوله : هي كما سيأتي أن تكون ساعيا الخ ) الأولى أن يقال في معناها هي ملكة في الشخص تحمل على البذل والجود بل تقتضي قوّة الإيثار ، وهو من لطف ربنا الرحمن . ( قوله : ويقال هي أن لا تشهد الخ ) الأولى أن يقال : هي قوّة تقتضي البذل مع شهود الفضل له تعالى .
( قوله : وهي ممدوحة ) أي مثني على الموصوفين بها ومطلوبة أي ندب الشارع إليها .
( قوله : قال تعالى انهم فتية ) جمع قلة للفتى كالصبية للصبي سموا بذلك لتحقق ما كانوا عليه من حال الفتوة فإنهم كانوا من أشراف الروم أرادهم دقيانوس على الشرك ، فهربوا منه بدينهم وهذه الجملة استئناف تحقيقي مبني على تقدير السؤال من قبل المخاطب ،