في إزالة الغضب لئلا يعمل بمقتضاه وهو من الأخلاق التي تزيل العقل ، ( وقيل لراهب : أأنت صائم فقال : صائم بذكره ) عن ذكر غيره أي ممسك عنه كالمسك عن المفطرات ، ( فإذا ذكرت غيره أفطرت ) في ذلك تنبيه للسائل على درجة أرفع مما سأل عنه ، فإنه سأله عن الإمساك عن الطعام الذي فيه فضيلة الصوم ، فأجابه بالإمساك عن ذكر غير اللّه لدوام شغله باللّه ، ( وقيل : إذا تمكن الذكر من القلب ، فإن دنا منه الشيطان ) بأن سلطه اللّه عليه بواسطة عدوّ من الإنس ( صرع ) الشيطان بذلك القلب الذي تمكن فيه الذكر ، فيفسد عليه حاله ( كما يصرع الإنسان إذا دنا منه الشيطان )
شرح
غلاما له « يا فلان اللّه أقدر عليك منك عليه » « 1 » فقد نبه بجلال اللّه سبحانه وتعالى وقدرته وعظمته وإحاطته علمه به ، فانكف عن الضرب وأعتق الغلام ، وما ضرب بعد ذلك أحدا .
( قوله : خير من نصرتك الخ ) أنت خبير بأنّ التفضيل على غير بابه بل المقصود أصل الفعل إذ لا خير في نصرة العبد لنفسه . ( قوله : في ذلك تنبيه على السعي في إزالة الغضب ) أي وحث على الحلم وإيثار العفو ، ولا سيما مع القدرة على المؤاخذة . ( قوله :
فقال صائم بذكره عن ذكر غيره ) قال بعضهم : قد تكلم بعض المتأخرين في ملازمة ذكر اسم الجلالة الذي هو اللّه مفردا مع تكريره طلبا لجمع الهمة ، وكمال الحضور ، وليستغرق القلب في الخضوع والخشوع ، وقال قول القائل : اللّه مفردا كلام غير مفيد ، ولا بدّ في إفادته معنى مستقلا من أنه يضاف إليه زيادة كقوله : اللّه معي ، أو ناظر إليّ أو راحمي ، أو نحو ذلك ، وهذا منه وإن صح معناه في اللغة من حيث أنّ الاسم المفرد المبتدأ به إنما تكمل فائدته بالخبر عنه ، فهو لا يخرج عن كونه ذكرا ومتضمنا الفائدة ، ودالا على وجود ذات موصوفة بالألوهية باعتبار إضافة التأله إليه سبحانه وتعالى ، وهو التعبد أو العلوّ والرفعة فكلما كرر العبد الاسم الشريف تكررت هذه المعاني على قلبه ، فيحصل ما أشاروا إليه من معنى نحو معي لأنّه ملازم للقلب لا يفارقه أبدا إذ هو معتقد ، تأمله فإنه نفيس . ( قوله : وقيل : إذا تمكن الذكر من القلب الخ ) فيه فائدة الفرق بين صرع الشيطان من الإنسان وعكسه . ( قوله : ان عبادي ليس لك عليهم سلطان الخ ) من المعلوم أنّ الإضافة تأتي للشرف والكمال ، فالمراد بالعباد معهودون وهم الصادقون في عبوديتهم بدوام جدهم في عبادتهم ، فمثلهم من يقال في شأنهم :لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ[ الإسراء :
65 ] أي تسلطك بغلبتك على قلوبهم ، وذلك لحفظهم بالأنوار الإلهية وكفاهم شرفا أي شرف بهذه الإضافة ، واللّه أعلم .
رقيقة : قال سهل : استجلب حلاوة الزهد بقصر الأمل ، واقطع أسباب الطمع بصحة
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم ( إيمان 34 ، 35 ، 36 ) وأبو داود ( أدب 124 ) والترمذي ( بر 30 ) وأحمد بن حنبل ( 4 ، 120 ) .