القلوب
فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ
[ محمد : 21 ] ( وقال حامد الأسود : كنت مع الشيخ إبراهيم الخواص في سفر فجئنا إلى موضع فيه حيات كثيرة فوضع ركوته وجلس وجلست معه ، فلما كان برد الليل وبرد الهواء خرجت الحيات فصحت بالشيخ ) خوفا منها ( فقال ) لي : ( اذكر اللّه فذكرت ) اللّه ( فرجعت ثم عادت فصحت به فقال ) لي : ( مثل ذلك ) أي اذكر اللّه ( فلم أزل إلى الصباح في مثل تلك الحالة فلما أصبحنا قام ومشى ومشيت معه فسقطت من وطائه حية عظيمة ، وقد تطوّقت به فقلت ) له : ( ما أحسست بها ؟ فقال : لا منذ زمان ما بت ليلة أطيب من البارحة ) أي الليلة ، فيه دلالة على أنّ ذكر اللّه من الصادق يدفع عنه كل بلاء لتوكله عليه ، ولأنّه لا ضار ولا نافع سواه ، وقد حكي أنّ عامل إفريقية كتب إلى عمر بن عبد العزيز يشكو إليه كثرة الهوام عنده أي الحيات والعقارب ، فكتب إليه عمر :
وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ
[ إبراهيم : 12 ] ، قيل : وهي تنفع من البراغيث ، وقد جريت فصحت . ( وقال أبو عثمان : من لم يذق وحشة الغفلة ) عن الذكر ( لم يجد طعم أنس الذكر ) لأنّ من لم يستأنس لم يستوحش إذ كيف يستوحش من الشيء من لم يستأنس به ، فمن منّ اللّه عليه بأنسه ولذة مناجاته ، ثم أغفله عن ذلك وجد في قلبه وحشة البعد ، فلا يجد هذه الوحشة إلا من تقدم له الأنس ، فمن ذاق تلك الوحشة وجد طعم ذلك الأنس . ( سمعت محمد بن
شرح
يزيد أيضا أنّه قال : غلطت في ابتداء أمري في أربعة أشياء توهمت أني أذكره ، وأعرفه ، وأحبه ، وأطلبه ، فلما انتبهت رأيت ذكره سبق ذكري ، ومعرفته تقدمت معرفتي ، ومحبته أقدم من محبتي ، وأنّه طلبني أولا حتى طلبته ، أقول : وذلك صحيح لأنّ اللّه تعالى هو الذي اختصه في أزله قبل أن يخلقه بجميع هذه الصفات ، وهو الذي خلقها له في وقت قيامها به ، وأما طلبه أولا فلأن الباريء تعالى لم يزل امرا ناهيا واعدا متوعدا مخبرا متسخبرا إلى سائر أقسام الكلام الأزلي .
( قوله : فجئنا إلى موضع الخ ) في ذكر هذه القصة دلالة على صدق التجاء الأستاذ إلى الحق تبارك وتعالى . ( قوله : فيه دلالة على أنّ ذكر اللّه الخ ) أي ووجهه ظاهر ، وذلك لأنّه دائما يغلب عليه الخوف منه تعالى ومن كان كذلك لم يخف غيره بل يخاف منه كل شيء لما يجعل اللّه له من الجلالة والهيبة . ( قوله : وهي تنفع من البراغيث ) أي بشرط صدق النية وقوّة العزيمة . ( قوله : لأنّ من لم يستأنس الخ ) أي لأنّ الشيء إن لم يدرك لا يتعقل ضده كما لا يخفى . ( قوله : وجد في قلبه وحشة البعد ) أي من ألم فراق ما ألفه واعتاده من لذة ذكر ربه تعالى . ( قوله : فمن ذاق تلك الوحشة الخ ) أي ولذلك قال قائلهم :لا يعلم الشوق إلا من يكابده * ولا الصبابة إلا من يعانيها