عبد الرحمن بن عبد اللّه الذبيانيّ يقول : سمعت الجريريّ يقول : سمعت الجنيد يقول : سمعت السريّ يقول : مكتوب في بعض الكتب التي أنزلها اللّه تعالى إذا كان الغالب على ) قلب ( عبدي ذكري عشقني وعشقته ) يعني أحبني وأحببته قال تعالى :
يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ
[ المائدة : 54 ] لكن اللفظ المذكور يحتاج إلى توقيف ( وباسناده ) المذكور أيضا ( أنّه أوحى اللّه تعالى إلى داود عليه السلام بي فافرحوا ) قال تعالى :
فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا
[ يونس : 58 ] أي بما فتح اللّه عليهم من فضله ( وبذكري ) ومناجاتي والأنس بي ( فتنعموا ) لأنّ ذلك أفضل نعيم ، ( وقال الثوري رحمه اللّه تعالى : لكل شيء عقوبة ، وعقوبة العارف باللّه انقطاعه عن الذكر ) لأنّ العارف بها مقرب ، وهذه محبة العارفين ، ومن أحب شيئا أكثر من ذكره ، فمتى شغل اللّه العبد بغيره حتى أنساه إياه ، أو فتر عن ذكره دل ذلك على عقوبة لجرم وقع منه .
وربما كان ذلك سببا لعلوّ درجته لشدّة وجده ، ودوام قلقه كما جاء في خبر « إن العبد يذنب الذنب فيكون سبب سعادته » « 1 » ، ( وفي الإنجيل : اذكرني حين تغضب ) ولا تتعدّ الحدود ( أذكرك حين أغضب ) ولا أؤاخذك بجرمك ( وارض بنصرتي لك فإن نصرتي لك خير لك من نصرتك لنفسك ) في ذلك تنبيه على السعي
شرح
( قوله : لكن اللفظ المذكور ) أي الذي هو إطلاق لفظ العشق عليه تعالى يحتاج إلى توقيف ، أي إذن وارد من الشارع صلى اللّه عليه وسلم ، وفيه أنّه يكفي في سند الجواز مثل هذا الأستاذ لأنّ مثله لا ينقل من قبل الرأي ، فلعل وجه الاستدراك أنّ شرع من قبلنا ليس شرعا لنا وإن ورد في شرعنا ما يقرره . ( قوله : أي بما فتح اللّه عليهم من فضله ) أشار به إلى أنّ معنىفَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا[ يونس : 58 ] فبفضلي وإحساني فليفرحوا . ( قوله : لأن ذلك أفضل نعيم ) أي في الدنيا والآخرة نعم مشاهدة الحق تعالى ، وسماع كلامه يوم القيامة لا يماثله شيء . ( قوله : انقطاعه عن الذكر ) أي لأنّه قد احتجب عما به تلذذه وتنعمه .
( قوله : والمحبة إما لتوالي النعم الخ ) أقول : لما كانت المحبة تستدعي نوعا جاذبا بالقلب المحب بين ذلك بأنه بالنسبة له تعالى إما شهود النعم وتواليها عند من قصر همته ووقف مع الآثار ، وإما شهود صفات الجمال والكمال عند العارفين المحققين ممن انخلع عن الآثار بشهود انفراد المؤثر سبحانه وتعالى . ( قوله : وربما كان ذلك سببا لعلوّ الخ ) أي وذلك هو الأليق بمقام العارف وإن صح أن يكون للتكفير أيضا . ( قوله : اذكرني حين تغضب الخ ) المراد تذكرني بإحاطة علمي بك وتذكر وعيدي ووعدي تتكسر منك القوّة الغضبية ، وتنطفىء نيرانها منك ، ويرشد إلى ذلك قوله صلى اللّه عليه وسلم لبعض أصحابه وهو يضرب
هامش
( 1 ) أخرجه القرطبي في ( التفسير 18 / 244 ) والسيوطي في ( الدر المنثور 6 / 253 ) .