تعالى :
فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ
) [ البقرة : 152 ] أي أثني عليكم ( وفي خبر أنّ جبريل عليه السلام قال لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إنّ اللّه يقول : أعطيت أمتك ما لم أعط أمة من الأمم ) فقال : « وما ذاك يا جبريل » قال قوله تعالى :
( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ )
فإنّه ( لم يقل تعالى :
هذا لأحد غير هذه الأمة ) وهذا في حق من أحب ربه ، وتوالى ذكره على قلبه حتى أحبه ربه ، ( وقيل : إنّ الملك ) الذي يقبض الأرواح ( يستأمر الذاكر في قبض روحه ) إكراما وتشريفا له ، ويجري اللّه على لسانه ما تكمل به منزلته عنده ، ولا يختار إلا ما سبق له . ( وفي بعض الكتب إنّ موسى عليه السلام قال : يا رب أين تسكن ؟ فأوحى اللّه تعالى إليه ) أسكن ( في قلب عبدي المؤمن ، ومعناه سكون الذكر في القلب ) فقوله : تسكن أي يسكن ذكرك بحذف مضاف ( فإنّ الحق سبحانه وتعالى منزه عن كل
شرح
إذا ما بدا ذكر لذكر ذكرته * يغيبني عن ذكر ذكري فأغرق
وأغرق بالذكر الذي قد ذكرته * عن الذكر بالذكر الذي هو أسبققلت ، وفي هذا منه رضي اللّه تعالى عنه إشارة إلى مراتب الذكر ، ودرجة الذاكرين في ذكرهم فقوله : ذكرت ولم أذكر الخ إشارة إلى أوّل درجة الذاكرين من العارفين من أنّهم يدومون على شهود التقصير في عبادتهم ، وأنّهم لا طاقة لهم على القيام فيها بواجب حقه تعالى بشاهد خبر : « سبحانك ما عبدناك حق عبادتك » وقوله : ولكن بداوي الحق الخ يريد بها أوائل نعمه تعالى الواردة على قلبه الباعثة فيه التحرك إلى الذكر ، وقصده التي هي نعمة التوفيق والهداية ، وقوله : فأنطق أي تكون سببا في نطقي بذكره سبحانه وتعالى ، وقوله : إذا ما بدا ذكر الخ توضيح لما ذكرناه مع زيادة أنّه في هذه الحالة يستغرق فيها أوقاته ، ويغرق فيها أي ينعدم عن خطور السوى بقلبه ، وقوله : وأغرق بالذكر الخ يشير به إلى أنّه في حالة استغراقه على الوجه الذي تقدم إذا ظهر له ذكر اللّه إياه قبل ذكره هو غيبه ، فيستغرق في شهود فضل اللّه تعالى عليه بالذكر له قبل ذكره ، فهو حينئذ قد حيل بينه وبين شعوره بذكره بواسطة استغراقه في نظره إلى فضل ربه عليه بسابق ذكره إياه ، فهو غريق في درجات الذكر وأحوال المذكور محجوب عن كونه ذاكرا .
( قوله : وهذا في حق من أحب ربه ) أي هذا الجزاء ، وهذه الثمرة بالنسبة لمن أحب ربه بأن ذكره محبة وإجلالا ، فكان ذكره حق الذكر لا لمطلق ذاكر . ( قوله : يستأمر الذاكر الخ ) أي يستأذن الذاكر ليفعل ما يأمره به إكراما وتشريفا له ، وإن كان في نفس الأمر لا يتم إلا ما تعلقت به إرادة ربه تعالى ، وقوله : ويجري اللّه الخ أي يوفقه الإله للنطق بما تكمل به منزلته ، وترتفع به درجته وإن كان في الواقع ونفس الأمر لا يختار إلا ما سبق له في العلم القديم على مقتضى الحكمة الباهرة لتحتم ما سبق به القضاء الأزلي . ( قوله :
فأوحى اللّه تعالى إليه اسكن في قلب عبدي المؤمن ) يشير الخبر إلى أنّ المؤمن كامل