( والصلاة وإن كانت أشرف العبادات ) بعد الإيمان لخبر : « إنّ العبد إنما يحاسب يوم القيامة عن صلاته ، فإن قام بها نظر في بقية أعماله » ( فقد لا تجوز في بعض الأوقات والذكر بالقلب مستدام في عموم الحالات قال اللّه تعالى :
الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ
[ آل عمران : 191 ] . سمعت الأستاذ الإمام أبا بكر بن فورك
شرح
( قوله : قال اللّه تعالى :الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَالخ ) [ آل عمران : 191 ] المراد بهم الذين لا يغفلون عنه تعالى في عامة أوقاتهم لاطمئنان قلوبهم بذكره ، واستغراق سرائرهم في مراقبته لما أيقنوا أن كل ما سواه فائض منه ، وعائد إليه ، فلا يشاهدون حالا من الأحوال في أنفسهم ، ولا في غيرهم إلا منه وإليه ، وقوله تعالى :قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ[ آل عمران : 191 ] يشير إلى أنّ ذلك بحسب كل شأن من شؤونه سواء كان ذلك من حيث الذات ، أو من حيث الصفات والأفعال ، وسواء قارنه الذكر اللسانيّ أو لا ، وقوله : ( وعلى جنوبهم ) متعلق بمحذوف معطوف على الحالين أي وكائنين على جنوبهم أي مضطجعين ، والمراد تعميم الذكر للأوقات كما مر ، وقوله :( وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ )[ آل عمران : 191 ] أي يتفكرون في أفعاله سبحانه أثر بيان تفكرهم في ذاته تعالى على الإطلاق فهي آيات تكوينية مرشدة للمتفكر فيها على الوجوب الذاتي له تعالى ، والوحدة الذاتية ، والملك القاهر ، والقدرة التامة ، والعلم الشامل والحكمة البالغة ، وغير ذلك من صفات الكمال ، ومرشدة أيضا على تحقق حقيقة المعاد لأنّ من قدر على هذا الإنشاء العجيب بلا مثال يحتذيه ، وقانون ينتحيه ، فهو على إعادته بالبعث أقدر ، فحكم المتفكر بأنّ ذلك ليس إلا لحكمة باهرة هي جزاء المكلفين بحسب أعمالهم واعتقاداتهم التابعة لأنظارهم فيما نصب لهم من الحجج ، والدلائل ، والإمارات ، والمخايل ، واعلم أنّ الأعمال غير مختصة بالجوارح بل متناولة للقلبي بل هو أشرف أفراده كما يرشد إليه قوله جل جلاله :وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ[ الذاريات : 56 ] أي ليعرفون كما أعرب عنه خبر « كنت كنزا مخفيا » الحديث ، وإنما طريق المعرفة النظري التفكر فيما ذكر من شؤونه تعالى .
( قوله : قال اللّه تعالى : (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَالخ ) دليل لمشروعية الذكر في عموم الأحوال ، وفي جميع الأوقات ، وأما حمل الذكر في الآية الكريمة على الصلاة في هذه الأحوال حسب الاستطاعة كما قال صلى اللّه عليه وسلم لعمران بن الحصين : « صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب » « 1 » تومىء إيماء ، فمما لا يساعده سياق النظم الجليل ، ولا سباقه ، وبذلك تعلم ما يأتي للشارح نفعنا اللّه بعلومه من قوله : ما قاله ليس تفسيرا للآية لأنّها إنما جاءت في بيان الصلاة وقت الأعذار ، وتعلم أنّ فيه نظرا ظاهرا .
هامش
( 1 ) أخرجه البيهقي في ( السنن الكبرى 2 / 304 ، 3 / 155 ) وابن خزيمة في ( الصحيح 979 ، 1250 ) والخطيب البغدادي في ( تاريخ بغداد 6 / 24 ) .