بالذكر لشيء استغنى به عن الفكر الذي يحصله به ، فكان الذكر أتم ، ( وسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلميّ رحمه اللّه يقول : سمعت محمد بن عبد اللّه يقول :
سمعت الكتانيّ يقول : لولا أنّ ذكره فرض عليّ ) بأمره ( لما ذكرته إجلالا له ) أي لما رأيت نفسي أهلا لأن أذكره لإجلالي له ( مثلي ) في الحقارة ( يذكره ولم يغسل فمه ) بعد ذكره ( بألف توبة متقبلة عن ذكره ) أي لأنّ من اتى بما لا يليق به فاللائق به التوبة منه ، ( وسمعت الأستاذ أبا علي رحمه اللّه ينشد لبعضهم ) في معنى ذلك ( ما إن ) زائدة ( ذكرتك ) يا اللّه ( إلا هم ) أي أراد ( يزجرني . قلبي وسري وروحي عند ذكراكا * حتى كان رقيبا منك يهتف ) أي بصوت ( بي . إياك ويحك والتذكار إياكا ) أي إذا خطر لي أن أذكرك قام بقلبيّ وسري وروحي زجر يبعدني عن ذكرك ، وكان محذرا يحذرني بقوله : إياك أن تقرب التذكار إياك لكوني لست أهلا له .
( ومن خصائص الذكر أنّه جعل في مقابلته الذكر ) من اللّه للذاكر حيث ( قال اللّه
شرح
( قوله : استغنى به عن الفكر الذي يحصله به ) أي لا عن مطلق الفكر ، وقوله : فكان أتم أي أتم من الفكر المخصوص المذكور في كلام الشارح ووجه الأتمية ما فيه من القيام بحق العبودية بامتثال قوله جل جلاله :فَاذْكُرُونِيمع أنّه من الوسيلة إلى مطلق الفكر الذي به يكون الترقي إلى عليّ المقامات .
( قوله : لولا أن ذكره فرض الخ ) مراده أنّه لولا طلب الذكر منه شرعا لما رأى نفسه أهلا لذكره تعالى من حيث استصغار نفسه ، وعظم أمر المذكور في قلبه فيكون ذكره فرضا كان أو نفلا لأجل الامتثال فقط .
( قوله : مثلي في الحقارة يذكره الخ ) جملة مستأنفة ذكرت أيضا حالا لما قبلها وتعليلا له . ( قوله : ولم يغسل فمه ) أي يطهره بألف توبة متقبلة عن ذكره ليس المراد حقيقة العدد بل التكثير فقط . ( قوله : لأنّ من أتى بما لا يليق به ) أي بقطع النظر عن كونه مأمورا بالذكر أما بعد اعتبار الأمر فهو من المطلوب فرضا أو نفلا . ( قوله : ما إن ذكرت الخ ) محصله إفادة أنّه من حيث أمره بالذكر ذاكر ، ومن حيث استصغار نفسه مع شهود جلال ربه مستحي متذلل صاغريُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ[ المؤمنون : 60 ] . ( قوله : ومن خصائص الذكر الخ ) أقول : إن لم يكن له من الخصائص غير هذا لكفى في مزيد شرف الذاكر .
تنبيه : قال النوري : جبل بيني وبين قلبي منذ أربعين سنة ، فلا اشتهيت شيئا ، ولا تمنيت شيئا منذ عرفت ربي عز وجل وأنشد :ذكرت ولم أذكر حقيقة ذكره * ولكن بداوي الحق تبدو فأنطق