يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ
[ الأنبياء : 20 ] . ( أخبرنا أبو الحسين عليّ بن محمد بن عبد اللّه بن بشران ببغداد رحمه اللّه قال : أخبرنا أبو علي الحسين بن صفوان البرذعيّ قال : حدثنا أبو بكر عبد اللّه بن محمد أبي الدنيا قال : حدثنا هارون بن معروف قال : حدثنا أنس بن عياض قال : حدثنا عبد اللّه بن سعيد بن أبي هند عن زياد بن أبي زياد عن أبي بحرية عن أبي الدرداء رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم ) أي مليككم تعالى
شرح
عليّ رضي اللّه عنه أنّه قال : « كان مجلس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة لا ترفع فيه الأصوات ، ولا تنتهك فيه الحرم يتواصون فيه بالتقوى متواضعون يوقرون فيه الكبير ويرحمون فيه الصغير ، ويؤثرون ذا الحاجة ، ويحفظون الغريب » قال : « وكان صلى اللّه عليه وسلم لين الجانب سهل الخلق دائم البشر ليس بفظ ولا غليظ ولا صحاب في الأسواق ، ولا فحاش ولا عياب ، ولا مزاح يتغافل عما ينتهي قد ترك نفسه من ثلاث كان لا يذم أحدا ، ولا يعيره ، ولا يطلب عوراته ، ولا يتكلم إلا فيما رجى ثوابه إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير ، وإذا سكت تكلموا ولا يتنازعون عنده الحديث من تكلم أنصتوا له حتى يفرغ يغضون أبصارهم » ثم إذا لم يكن في الرقص والسماع شيء يذم به إلا أنّه مما أحدثه بنو إسرائل حين اتخذوا العجل إلها من دون اللّه لكفى قبحا وضلالا حيث لم يكن اقتداؤهم إلا بالكفار ، وما كان هذا أصله يتعين على كل ذي عقل ولب الإنكار عليه ، والهروب منه وتولي الظهر عنه ، ولا حول ولا قوّة إلا باللّه العليّ العظيم .
( قوله : وهو ممدوح الخ ) أقول : ويكفي في مدحه وثمرته قوله جل شأنه :فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ[ البقرة : 152 ] إذ لا يماثل ذكر الحق تعالى لعبده شيء لا دنيوي ولا أخروي ، والذكر مطلوب في جميع الأوقات لا يختص بوقت دون وقت بخلاف غيره من العبادات ، فقد يكون مؤقتا بوقت ، ويمتنع في آخر كالصلاة مثلا . ( قوله : يا أيها الذين آمنوا اذكروا اللّه ذكرا كثيرا ) أي اذكروه بما هو أهله من التهليل والتحميد والتسجيد والتقديس ذكرا كثيرا يعم الأوقات وسبحوه أي نزهوه عما لا يليق به بكرة وأصيلا أي أول النهار وآخره ، وليس المراد القصر على هذين الوقتين ، فالتقييد بهما لإبانة فضلهما على غيرهما من الأوقات ، فالمطلوب حينئذ تسبيح الإله في جميع الأوقات . ( قوله : يا أيها الذين آمنوا اذكروا اللّه ذكرا كثيرا ) قال بعضهم : وأقل مراتب الكثرة عمله بما ورد عن سيد الكمل صلى اللّه عليه وسلم من وظائف الأوقات ، والمندوب إليه في العبادات وأعلى مراتبها أن لا توجد للعبد حالة غفلة عن الحق لحظة من الزمان ما دام يقظا عاقلا .
( قوله : قال : حدثنا الخ ) أي : ورواه أيضا مالك في الموطأ . ( قوله : ألا أنبئكم ) أي أخبركم بخير أعمالكم أي بأفضلها وأكثرها ثوابا ، وأزكاها أي أكثرها طهرة لكم وبركة