عليه صار حرا عنها ، وأول الحرية الخلاص من أسباب الدنيا وأعراضها ، وأوسطها خفة أعمال الآخرة والحرية عن الالتفات لأعواضها ، ونهايتها الحرية عن الالتفات إلى هذه المقامات العلية ، وعن السكون إليها شغلا بالمتفضل بها ، وهذه حرية الحرية . ( أنشدنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي رحمه اللّه قال : أنشدنا أبو بكر الرازي قال : أنشدني منصور الفقيه لنفسه . ما بقي في الأنس ) وفي نسخة الناس ( حر .
لا ولا في الجن حر * قد مضى ) أي ذهب ( حر الفريقين ) أي الأنس والجن ( فحلو العيش مر . ) فليس عنده في زمانه من الفريقين حر ، وإنما خيارهم من عمل ابتغاء للثواب لا غير ( واعلم أنّ معظم الحرية ) أي أكثر خصالها كائن ( في خدمة الفقراء ) من التذلل ، والانكسار ، والأدب معهم لأنّ العبد لا يمكنه أن يخدمهم كما ينبغي ويرى الفضل لهم في استخدامهم إلا إذا زالت عنه نفسه ، ولم ير لها قدرا . ( سمعت الشيخ أبا علي الدقاق رحمه اللّه يقول : أوحى اللّه عز وجل إلى داود عليه السلام إذا رأيت لي طالبا فكن له خادما ) وقال صلى اللّه عليه وسلم : « سيد القوم خادمهم » « 1 » ، وسمعت محمد بن الحسين
شرح
( قوله : ما بقي في الإنس حر الخ ) أقول : لما كانت الحرية الكاملة عزيرة ونادرة وجعل هذا الشيخ نفعنا اللّه به النادر كالمعدوم لأنّ الحكم للغالب فقال : ما بقي الخ ، وهذا على ما لا يخفى لا ينافي وجود الخير واستمراره في أمة من له الشرف إلى انقضاء الدنيا بمقتضى الخبر الصحيح .
( قوله : فحلو العيش مر ) أي لقلة الخير وكثرة الشر ، وإذا كان هذا في زمنه نفعنا اللّه به ، فما ظنك الآن فلا حول ولا قوة إلا باللّه العليّ العظيم .
( قوله : وإنما خيارهم الخ ) أقول : نسأل اللّه العظيم ببركة نبيه الكريم أن يديم هؤلاء الأخيار ، وأن يهلك أهل الأهواء والأشرار . ( قوله : في خدمة الفقراء ) محصلة فناء النفس في ذلك عن الحظوظ ، وأنت خبير بأنّ المراد بالفقراء الطالبون للحق تعالى على سنن الاستقامة ، وعلى طريق المتابعة كما يشهد لذلك ما بعده لا كفقراء زماننا ممن جعلوا ذلك وسيلة لمعاشهم ، وتوصلوا بذلك إلى حظوظهم الفاسدة نسأل اللّه السلامة من مخالطتهم .
( قوله : إذا رأيت لي طالبا ) أي من أخلص في طلبي وقصدي بأن لم يخطر له سواي على بال ، فكن له خادما أي معينا وناصرا .
هامش
( 1 ) أخرجه السيوطي في ( الحاوي للفتاوي 2 / 101 ) والتبريزي في ( مشكاة المصابيح 3925 ) والمتقي الهندي في ( كنز العمال 17516 ، 7518 ، 17519 ، 24834 ، 24835 ) والخطيب البغدادي في ( تاريخ بغداد 10 / 187 ) والسيوطي الحلبي في ( الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة 95 ) والعجلوني في ( كشف الخفاء 1 / 561 ، 562 ) .