الزقاق يقول : من كان في الدنيا حرا منها ) بأن تعاطاها لأمر اللّه لا لهواه ( كان في الآخرة حرا منها ) لكونه لم يرد بعلمه ، إلا اللّه ، وهذا قريب مما قبله . ( واعلم أنّ حقيقة الحرية ) كائنة ( في كمال العبودية ) لأنّ كمالها إفراغ الجهد في الطلب بالبدن ، والقلب في كل ما يرد عليه من اللّه ( فإذا صدقت للّه تعالى عبوديته خلصت عن رق الأغيار حريته ، فأما من توهم أنّ العبد يسلم له أن يخلع وقتا ) أي في وقت ( عذار العبودية ويحيد بلحظه ) أي ملاحظته ( عن حد الأمر والنهي وهو مميز في دار التكليف ) زعما منه أنّه مشتغل بالربوبية ( فذلك إنسلاخ من الدين ) قاله الجنيد لما قيل له : إنّ من أهل المعرفة قوما يقولون : ترك الأعمال من البر زعما منهم أنّهم وصلوا الذي يسرق ويزني أحسن ممن كملوا هذا ، ولو بقيت ألف عام لم أنقص من أورادي شيئا ، وكما قال غيره : لما سئل عمن يقول ذلك نعم وصل ولكن إلى سقر . ( قال اللّه سبحانه لنبيه صلى اللّه عليه وسلم
وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ
[ الحجر : 99 ] يعني الأجل أي الموت ( وعليه أجمع المفسرون و ) أجمعوا أيضا على ( أنّ الذي أشار إليه القوم من الحرية هو أن لا يكون العبد بقلبه تحت رق شيء من المخلوقات لا من أعراض الدنيا ، ولا من
شرح
لأمر ربه أي ليصرفها على حسب الإذن الشرعيّ ، وقوله : ارتحل عنها الخ أي فكانت الثمرة له التحرر من التعلق بشيء . ( قوله : ارتحل عنها إلى الآخرة وهو عنها حر ) أي فزهده في الدنيا ابتداء يثمر له الزهد فيها انتهاء بحيث لا يكون له مطلب سوى مشاهدة مولاه جل جلاله .
( قوله : وهذا قريب مما قبله ) أقول : الذي يظهر من كلام المؤلف أنّ ما قبله المراد به أنّ الزهد في الدنيا ابتداء يثمر الزهد فيها انتهاء كما قدمناه ، وهو غير هذا لا قريب منه مع كثرة الفائدة على هذا الحمل ، ويحتمل ما قال الشارح أيضا . ( قوله : في كمال العبودية ) أي فمن كملت عبوديته للّه تعالى ثبتت له حقيقة الحرية ، ووجهه ظاهر .
( قوله : في كل ما يرد عليه من اللّه ) أي ومن الجملة نزاهة النفس عن التعلق بالدنيا للحظوظ النفسية . ( قوله : فإذا صدقت للّه عبوديته ) أي وصدقها بالدوام على الطاعة والعبادة مع الإخلاص في ذلك . ( قوله : فأما من توهم الخ ) الغرض من ذلك الرد على من زعم أنّ العبد إذا كملت محبته وصل إلى اللّه فيسقط عنه أعباء التكاليف ، ومثل هؤلاء من الكفرة أعاذنا اللّه من ذلك . ( قوله : إنّ الذي يسرق ويزني أحسن الخ ) أي لأنّ غاية مثله أنّه فعل كبيرة وهي دون الكفر والعياذ باللّه تعالى . ( قوله : قال اللّه سبحانه الخ ) دليل لبقاء ربقة التكليف ما بقي الإنسان حيا عاقلا له قدرة ما على أداء العبادة .
( قوله : واجمعوا أيضا الخ ) مراده من ذلك بيان معنى الحرية في كلام القوم نفعنا اللّه تعالى بهم ليعلم منه بطلان ما ذهب إليه أهل الكفر والضلال ممن