تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 265

مساهمون:

ص٢٦٥
ويعصيني فلا يستحي مني ، وقال يحيى بن معاذ : من استحيى من اللّه مطيعا استحيى اللّه تعالى منه وهو مذنب ) فبالأولى أن يستحيي منه وهو مطيع . ( واعلم أنّ الحياء يوجب التذويب ، فيقال : الحياء ذوبان الحشا لإطلاع المولى ، ويقال : الحياء انقباض القلب لتعظيم الرب ) كل منهما حياء أرباب الأحوال والسالكين لكمال الدرجات في المعارف ، فإذا استشعر قلب عبد رؤية اللّه له مع كمال إجلاله وتعظيمه ذاب قلبه في نفسه ، أو انقبض لسطوة عزة ربه واستشعار قربه . ( وقيل : إذا جلس الرجل ليعظ الناس ) وفي نسخة الخلق ( ناداه ملكاه عظ نفسك بما تعظ به أخاك وإلا فاستحي من سيدك فإنّه يراك ) ويجازيك على عملك . ( وسئل الجنيد عن الحياء فقال : رؤية الآلاء ) أي النعم ( ورؤية التقصير ) في العمل ( فيتولد من بينهما حالة تسمى الحياء ) فمن رأى نفسه مقصرا ورأى النعم متوالية عليه حصل له الحياء ، وكذا من أجلّ مولاه وأحبه فالنعم موجبة للمحبة ورؤية التعظيم موجبة لاستحقار النفس ورؤية تقصيرها ، ( وقال الواسطي : لم يذق لذعات ) بالمعجمة ثم المهملة أي طوارق وأوائل ، وفي نسخة طعم ( الحياء من لابس خرق حد ) أي ارتكب منهيا عنه حده اللّه بحد ومنع من ارتكابه ( أو ) لابس ( نقض عهد ) فيما عاهد اللّه على القيام به لأنّ من لم يستح عند ارتكابه شيئا من ذلك ، فلا حياء عنده فيفعل المحرمات ، ويخل بالواجبات ، ( وقال الواسطي أيضا : المستحي يسيل منه العرق وهو الفضل الذي فيه ) لأنّ المستحي
شرح
بالإساءة قال تعالى :هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ[ الرحمن : 60 ] . ( قوله : من استحيى من اللّه مطيعا ) أي بأن دام على شهود تقصيره في عبادة ربه لعلمه أنّه غير مقدور له أن يعامله على ما يليق بجلاله تعالى . ( قوله : يوجب التذويب ) أي فهو سبب في ذوبان القلب باستشعار اطلاع الحق تعالى على مكنون الضمائر ، وظاهر الأعمال مع التقصير الضروري للبشرية . ( قوله : كل منهما حياء أرباب الأحوال والسالكين الخ ) أي وأما العارفون أصحاب المقامات فحياؤهم يوجب لهم بسطا لدوامهم على موائد كرمه تعالى وشهود إحسانه . ( قوله : وإلا فاستحي من سيدك ) أي بتأملك وتدبرك معنى قوله تعالى :أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ[ البقرة : 44 ] الآية . ( قوله : فقال رؤية الآلاء ) أي فهي سبب في تحقق الحياء أي مع عدم القيام بواجب الشكر عليها . ( قوله : لم يذق لذعات الخ ) أي وذلك بواسطة ما تقدم من أنّ الزهد والورع أصل كل خير ، فمن لم يكن زاهدا ولا ورعا يتهيأ له نوع من الكمال ، ولا يخفى ما في قوله : لذعات على من له إحساس . ( قوله : وهو الفضل الخ ) أفاد به أنّه ليس المراد خصوص العرق المنفصل من مسام البدن بل ما يشمل الفضول الذي في قلب العبد ، فقوله : « وما دام في النفس