يرى بموضع يستحيا منه ) إذ المستحيي من مولاه لا يرى إلا في فرض يأتيه أو نفل يرغب فيه ، ( وقال بعضهم : خرجنا ليلة فمررنا بأجمة ) من قصب ( فإذا رجل نائم وفرس عند رأسه ترعى فحركناه وقلنا له : ألا تخاف أن تنام في مثل هذا الموضع المخوف وهو مسبع ) بضم الميم أي كثير السباع ( فرفع رأسه وقال : أنا استحيي منه تعالى أن أخاف غيره ووضع رأسه ونام ) ، فيه دلالة على كمال حيائه من ربه حيث لم يخامر قلبه خوف من غيره حتى من الأماكن التي يخشى منها الأذية . ( وأوحى اللّه سبحانه إلى عيسى عليه السلام وعظ نفسك فإن اتعظت فعظ الناس ، وإلا فاستحي مني أن تعظ الناس ) وأنت لم تتعظ ، فوعظك لهم بعد اتعاظك أبلغ في انتفاعهم وأسلم لقلوبهم من الاعتراض عليك ، ( وقيل : الحياء على ) سبعة ( وجوه : حياء الجناية ) بالإخلال بالأمر والنهي ( كآدم عليه السلام لما قيل له ) في قصته : ( إفرارا منا فقال : لا بل حياء منك ) لجنايتي ، ( وحياء التقصير ) في عدم إيفاء كمال الحق ( كالملائكة ) فإنّهم لحيائهم بتقصيرهم عندهم ( يقولون : سبحانك ما عبدناك حق عبادتك ، وحياء الإجلال ) والتعظيم ( كإسرافيل عليه السلام ) فإنّه ( تسربل بجناحه حياء من اللّه سبحانه ، وحياء الكرم ) أي كرم الأخلاق والصفات ( كالنبي صلى اللّه عليه وسلم ) « فإنّه ( كان
شرح
( قوله : أن لا يرى بموضع الخ ) المراد بالموضع الموضع الإعتباري أي الحالة والصفة . ( قوله : فيه دلالة على كمال حياته ) أي وعلى كمال خوفه من ربه لأنّه من غلب عليه الخوف من ربه لم يخف غيره ، بل ويرزق الهيبة في نفسه .
( قوله : عظ نفسك الخ ) خطاب له عليه السلام باعتبار أمته إذ هو واجب العصمة والغرض الإشارة للبدء بالنفس كما قيل شعرا :ابدأ بنفسك فانهها عن غيها * فإذا انتهت عنه فأنت حكيم( قوله : كآدم الخ ) التمثيل به باعتبار ظاهر الحال ، وإلا فهو واجب العصمة كغيره من إخوانه النبيين والمرسلين عليهم صلاة وسلام رب العالمين . ( قوله : كالملائكة ) أي حيث لم يكن منهم وفاء بتسبيح الحق تعالى على حسب ما يليق بكماله .
( قوله : وحياء الإجلال والتعظيم ) أي الذي يحصل وقت أن يكاشف العبد بالصفات الجلالية للحق تبارك وتعالى . ( قوله : كالنبي صلى اللّه عليه وسلم ) أي لما ثبت من أنّه كان أشدّ حياء من العذراء في خدرها . ( قوله : وحياء الاستحقار ) أي استصغار النفس بالنسبة لمقام العظماء المقصودين لحوائج الخلق .
( قوله : مع أنّه يرجع إلى حياء الكرم ) أي كرم النفس ومحاسن الصفات . ( قوله :
فيستحي هو منه الخ ) أقول : وذلك من حياء الكرم أيضا . ( قوله : خمس من علامات الشقاء ) أي في الدنيا والآخرة ، وشاهد الباب قوله : وقلة الحياء .